Tuesday, March 18, 2014

يوهان سباستيان باخ

يوهان سباستيان باخ
في واحد من اللمسات الادبية أحيانا للآلهة، الاسم باخ هو كلمة ألمانية تعنى الجدول وموسيقى باخ هي واحدة من الينابيع التي لا تنضب من الموسيقى الغربية. حتى اثناء القرن بعد وافته حين قلما كان يعرض ألهم تأثير كل من يلمسه من بينهم موتسارت وهايدن وبيتهوفن ومندلسون. اليوم باخ هو الجزء الأكبر من التيار العظيم للموسيقى الغربية استوعب عمله قلوب وعقول الموسيقيين والسامعين في كل مكان.

نعرف عن حياة باخ القليل مقارنة بالسادة اللاحقين في الموسيقى. بدلا من الأداء كعازف ماهر مجهول كان يبقى في منزله ويؤدي عمله ووجد معظم وظائفه على بعد خمسين ميل من مسكنه. لمن عرفه كان ببساطة عازف الأرغن والمؤلف في البلاط أو الكنيسة حرفي ماهر ليس نوع الشخص الذي يهتم بوصفه أو حفظه. من حياته ترك وارءه عدة رسومات لشخص غير محدد المعالم وبعض الرسائل التجارية في الغالب توصيات الطلاب والتوسل للنبلاء عدة نوادر بعض الأبناء الناجحين الذين تذكروه بحب واحترام وموسيقاه. ربما إذا عرفنا كما نعرف بيتهوفن أكثر عن مثله العليا وآماله وحبه وغضبه وذوقه في الطعام والخمر نشعر برهبة أقل منه. لكن باخ الإنسان وراء مجموعة الأعمال الرائع ولذا صعب تخيله أي شيء عدا شخص خارق.

ولد يوهان سباسيتان باخ في واحدة من أكثر العائلات الموسيقية الاستثنائية في التراخي، في المدينة الألمانية أيزناخ في 21 مارس 1685. كان والده يوهان أمبروزياس باخ عازف كمان توقع من أبناءه اتباع مهنة العائلة. آل باخ كان موسيقيين ألمان لوثريين لستة أجيل في احد العصور في اوائل القرن ال18 شغل 30 رجل اسمهم باخ منصب عازف الأرغن في ألمانيا في ثورنجيا اقليم كانت كلمة باخ مترادفة مع كلمة موسيقى.


من والده حصل سباستيان على أول تدريبه الموسيقي على آلة الكمان لكن هذا لم يدم طويلا فماتت أمه حين كان عمره تسع سنوات ووالده مات في العام التالي. أرسل سباستيان للعيش مع أخيه الأكبر يوهان كريستوف باخ، عازف أرغن في أودروف. هذا الأخ اهتم بتعليم أخيه اليتيم موسيقيا وأكاديميا – على ما يبدو كان يشعر بالضغينة نحوه. أحد القصص القليلة التي بقت عن شباب سباستيان هو أن أخاه كريستوف منع الطفل من استخدام أفضل مجموعة لديه من موسيقى الأرغن. إبداء الفضول كان يميز حياته فوجد سباستيان السبيل لاستخراج الكتاب من الدولاب وقضى ستة أشهر ينسخ المجموعة في منتصف الليل ربما أسهم هذا في ضعف بصره طوال حياته. حين أمسك به أخوه وهو يفعل ذلك أخذ منه النسخة بقسوة.


بعد خمس سنوات من الإشراف القاسي لأخيه أرسل سباستيان الى لونبرج ليكمل دراسته اثناء الغناء في جوقة الكنيسة حيث أدى أدوار السوبرانو الألطو هو وأخوه في ذلك العصر. حين تغير صوته مكث كعازف هاربسكورد وكمان في الكنيسة، مهاراته في كل جوانب الموسيقى تطورت. في التأليف علم نفسه ظاهريا. قصة من تلك السنوات تظهر تصميم باخ دون كلل لتحسين حرفته: بعد ثلاثين ميلا في هامبورج عمل العازف الأسطوري رينكن، ومرار قام باخ بالرحلة سيرا على الأقدام لهامبورج ليستمع الى عزف الأستاذ المسن.


عام 1703 تولى أول منصب هام له، كعازف أرغن لكنيسة سانت بونيفاس الجديدة في أرنشتات. بعد ذلك بوقت قصير بدأت خلافات مع مستخدميه ميزت مشواره الفني – وهي دليل على الطموح الإبداعي الذي تجاوز ظروفه، ومقاومة عنيدة للصلح وميل للتغلب على العقبات. وألقي عليه اللوم للمزج بين صلاة الجماعة والترانيم المصاحبة مع التنويعات الغريبة والزخارف غير المتصلة"، بدا مشغولا أكثر من اللازم حتى لم يستطع عمل بروفة للجوقة، الترانيم المرتجلة كانت أطول من اللازم (عند سماع هذا، عاند وتعمد في جعلها أكثر من اللازم)، دخل في مشاجرة في الشارع مع عازف باصون قارن عزفه بالماعز. أكثر إثارة أنه دعا فتاة غريبة في الجوقة لتغني واتضح أنها ابنة عمه ماريا باربرا باخ التي تزوجها عام 1706.

ما زالت السلطات لا تشعر بنفس التسلية من حادثة الأخرى. أعطت باخ عطلة شهر لسماع عازف الأرغن والمؤلف الشهير بوكستهود في لوبيك، على بعد 200 ميل. باخ قام بالرحلة سيرا على الأقدام ومكث يستمع ويدرس لخمسة أشهر. ربما سعدت سانت بونفيس برؤية باخ يتحرك لمنصب عازف أرغن في مولهاوزن سنة 1706. في هذا الوقت كان لديه عدد من الأعمال الموسيقية تنسب له – في الأساس أعمال الكنتاتا وأعمال للهاربسكورد والأرغن. مكث في مولهاوزن لسنة قبل تولي منصب له أجر أفضل كعازف أرغن ولاحقا قائد الحفلات للدوق المحب للموسيقى فيلهلم إرنست من فايمار.

بذل باخ مجهود في فايمار لتسعة أعوام، خلال كتب بعض أعظم أعماله للأرغن والفوجات. استيعاب عمل السابقين الألمان مثل بوكستهوده ورينكن، درس الآن أعمال المؤلفين الإيطاليين خاصة فيفالدي، ينسخ ويوزع الأعمال الموسيقية للعرض. أخذ بعض من الوعي اللحني لفيلفالدي وطاقته الإيقاعية حيث أضفى على صوته الألماني الكئيب لمسة من الإشراق الإيطالي. لاحقا درس الأسلوب الفرنسي مع تحقيق نفع مماثل.

لبعض الوقت كان باخ سعيدا في فايمار. كلن عام 1717 القائد الموسيقى لدى الدوق مات ولم يقع الاختيار على باخ ليحل محله. من الواضح أن هذا لم يعجبه. طلب من الدوق الاستقالة. رد فعل فيلهلم على هذه الوقاحة من الخادم كان سجن باخ لثلاثة أسابيع. أخيرا حصل باخ على الإذن بالمغادرة لوظيفة جديدة كان أعد لها بافعل كقائد موسيقي لدى الأمير ليوبولد في كوتن.

ليوبولد الشاب غنى وعزف عدة آلات جيدا. باخ قاد أوركسترا من 18 شخص من موقع عازف الكمان الأول، وغالبا كان الامير يجلس. أثناء ست سنوات قضاها في كوتن ركز باخ على كتابة موسيقى دينية تناسب بلاط النبلاء – كونشرتات من أنواع عديدة، موسيقى الحجرة والكثير من موسيقى الكيبورد بما في ذلك الكتاب الأول للكلافيير العدل وكتاب الابتكارات الصغير.

كتاب الابتكارات كان في الأساس مقطوعات تدريب لأسرته متزايدة العدد. كان باخ والد لعشرين طفل وهي حقيقة كان الموسيقيون يسخرون مها منذ ذلك الحين. لكن في هذه الأيام مال الرجال التجار في تكوين عائلات كبيرة، جزئيا للحصول على العمالة المجانية: الزوجة ماريا باربرا والأطفال كانوا يتلقون العليم الموسيقي من باخ لكن أيضا كانوا يساعدونه في نسخ النوت الموسيقية – ابنه الثالث كارل فيليب إيمانويل باخ كان يذكر منزل العائلة أنه دائما يصدر طنين مثل خلية لانحل – المنزل ملئ بالأطفال والزوار، الأب يعطي الدروس، الحفلات الأسرية المنتظمة، الليل والنهار صوت قلم باخ على ورقة النوتة الموسيقية.

الحياة في تلك الأيام لم تكن قط دون ظلال قاتمة. كان متوسط حياة المرء أربعين سنة تقريبا، ونصف أبناء باخ ماتوا قبل سن النضج، كما حدث مع أبناء باخ. أضعف الإنجاب أجسام النساء وفي صيف 1720 عاد باخ من عطلة مع الأمير ليجد ماريا باربرا قد ماتت. أنجبت له سبعة أطفال. لا نعرف مدى حزنه على وفاتها لكنه بعد عام تزوج آنا ماجدالينا فولكين التي بلغت عشرين عاما، ابنة عازف الترومبت في البلدة. كانت مساعدة رائعة له، ودليل على حبه لها هو الكتاب الصغير لمقطوعات الكيبورد الذي جمعه لها ليعلمها والكثير من أجزاء العزف كتبتها بخط يدها.

قرب وقت زواج باخ الثاني تزوج الأمير ليوبولد من ابنة عم له لم تبالي بالموسيقى وبالتالي انتهى دور قائد الفرقة الموسيقية. مرة أخرى بدأ باخ في البحث عن وظيفة أفضل واستقرت آماله على كنيسة سانت توماس في لايبزج.


مدير الجوقة في سانت توماس يوهان كيناو مات وكانت الوظيفة شاغرة. بما أنها كانت أحد أهم الوظائف في ألمانيا، نم الطبيعي أن الكنيسة عرضت المنصب على أشهر مؤلف متاح – ليس باخ ولكن جورج فيليب تيلمان، صديق باخ وعراب كارل فيليب إيمانويل. في البداية وافق تيلمان لكن رفض حين رفعت الكنيسة القديمة راتبه. كان الاختيار الثاني هو كريستوف جروبنر الذي لم يتمكن من ترك وظيفته الحالية. في عام 1723 أخيرا استقر رأي الكنيسة على المرشح رقم 3 وهو باخ، فعمل في كنيسة سانت توماس لباقي حياته.


مقارنة مع مناصبه السابقة، كان هذا منصبا محترما وعالي الأجر. كانت لايبزج مركز عالمي ثقافي وتجاري بها نحو 30 ألف شخص وبها جامعة. كونه قائد منشدي شانت توماس باختصار وهو منصب جيد مثلما طمح فنه أي شخص كباخ، ومنح فرصة بلا حدود للتأليف والعرض. مهامه تضمنت المسئولية عن كل موسيقى كورالية وآلية في الكنيستين سانت توماس وبالتالي سانت نيكولاس وتيار مستقر من الأعمال الكبرى والصغرى. في تلك الأيام يجب تذكر أن معظم الموسيقى المعروضة كانت موسيقى جديدة. لكن حسب معايير اليوم عاش باخ فعليا كالعبد. شغلت أسرته غرف في مدرسة سانت توماس قرب الكنيسة ينفصل عنها فقط قسم صغير من مدرسة داخلية تضم 50 فتى يغنون في الجوقة مقابل المنح الدراسية في المدرسة. لا يمكنه الخروج من البلدة دون إذن. ظروف المعيشة في المبنى لم تكن صحية حتى أن أول 8 من أطفاله الذين ولدوا في لايبزج مات منهم ستة.

في الحال وقع باخ في معارك مع رجل الدين ومجلس البلدة بشأن الانضباط في المدرسة والظروف الموسيقية أدنى من المستوى، مع النتيجة أنه وسم بأنه غير قابل للإصلاح وكاد أن يخسر وظيفته آخر الأمر ظهر رجل دين جديد أعجب بباخ وهدأت الأمور. لكن دائما كان هناك شجار مع السلطات مع إلحاح باخ ليأخذ حريته مع الموسيقيين.


ولم ينتقد قط لقلة إنتاجيته كان يتوقع أن يؤلف بانتظام وفعل هذا بشكل استثنائي. تضمن إنتاجه في أول عقود في لايبزج نحو 265 من إجمالي 295 كنتاتا مدة كل واحدة تقريبا 20 دقيقة، خمسة قداسات، ستة موتيت، أربعة آلام، ثلاثة أوراتوريو، 12 عمل للأرغن، موسيقى الكيبورد تشمل الجزء الثاني من الكلافيير المعدل. نوت لأعمال آلية أخرى، مئات الهارموني الكورالي كل هذا فوق البروفات اليومية ومهام الأداء وتعليم أسرته وطلاب خصوصيين.

هذه الإنتاجية لم تكن غير مسبوقة لذلك العصر، حيث كان مطلوب من المحترفين العمل بإيقاع قاتل تقنية التأليف كانت ملزمة بالقواعد جزئيا لأنها اكتسبت سرعة. فيفالدي وتيلمان ضمن آخرين تفوقوا على باخ في الإنتاج. لكن ما افتقره المؤلفون الآخرون مقارنة بباخ لم يكن فقط الصفة المعروفة بالعبقرية، لكن أيضا التصميم دون كلل للاكتشاف والتطوير – تبقى موسيقى تيلمان لهذا اليوم كدليل على شخص محترم يؤدي وظيفته، غالبا بأناقة وسحر يثيران الإعجاب. لكن باخ قلما يبدو ببساطة يؤدي وظيفته؛ يبدو يلح دائما لاستخراج التعبير بالكلمات وأعمق كشف عن المادة الموسيقية.

هذه الطاقة الإبداعية المعجزة نراها في كل مستوى من عمله. نراها في نضاله المستمر لتحسين الحياة الموسيقية كنيسته. نراها بالأسلوب الذي كتب فيه الزخارف الميلودي للباروك بدلا من استخدام الرموز المختصرة المعتادة، بهذه الطريقة حصل بالضبط على الزخارف التي أرادها من اللاعبين، على حساب استغراق وقت أطول لنسخ المقطوعة. استخدم الكثير من تسلسلات التآلفات المعتادة والصيغ اللحنية للعصر؛ لكن حيث كان المؤلفون الآخرون راضين لعزفها ميكانيكيا، عادة وجد باخ طرق لتحويلها لإيماءات جديدة. رغم أنه في إنتاجه الهائل يوجد نسبة محتومة من عمل أقل إلهاما، متوسط جوده عمله كنت أعلى من أي مؤلف آخر. ربما فقط 15 % من عمل هايدن وأقل من عمل هاندل يبقى في برامج حفلات الموسيقى المعتادة. تخمين دارس الموسيقى هو أن نص إنتاج باخ يعرض ويسجل بانتظام.

بدلا من السفر ونشر شهرته، أداء دور العازف الماهر مثلما فعل باخ الأشهر، دائما باخ مكث في المنزل حتى اقتصرت لإقليمه واهتمت أساسا بعزف الأرغن. معظم من سمع باخ اعتبره أعظم عازف أرغن عاش على وجه الأرض، البعض قال أن بإمكانه العزف على بدلات الأرغن بقدمه أكثر مما يمكن لمعظم الناس على لوحة المفاتيح بأصابعهم. نشر فقط نحو عشر مقطوعات ومجموعات في حياته، بالأخص مقطوعات تعليمية تعرف باسم "التدريب على الكيبورد"، كلمة كلافيير هي المصطلح العام لأي آلة مفاتيح. نسخ المسودات لموسيقاه تم تداولها، لكن الكثير خاصة من أعمال الأرغن قيدت قدرة الموسيقي العادي.

معظم عمله يتم بشكل أو آخر، بروح دينية. أساس موسيقاه كانت الترنيمة اللوثرية المعروفة بالكورال التي تحدد معظم كتابته اللحنية مثلما يحدد الترتيل الجريجوري أعمال المؤلفين الكاثوليك في نهاية أعمال باخ الدينية تظهر عبارة "إلى الله وحده المجد". حتى في موسيقاه الدنيوية كان غالبا يكتب في رأس الرسائل كلمة "باسم المسيح". قدر ما يتعلق به، كل نغمة كتبها احتفلت بمجد الله. هذه الروح مصدر السعادة التي تظهر دوما في عمله مثل الأصوات المبهجة لمقطوعة Et resurrexit في القداس في مقام سي الصغير. خلال القرون أحضرت موسيقاه فرحة كبيرة للشعوب من كل الديانات وللشعب الذي ليس له دين أو يؤمن فقط بوحي المبتكرين أمثال باخ.

مثل معظم مؤلف عصره، آمن أن الموسيقى تستحضر المشاعر مباشرة وترمز للأفكار. مع "عقيدة المشاعر" اصحاب نظريات الباروك اقترحوا لغة موسيقية مختصرة، كل إيماءة ارتبطت بمشاعر محددة – إثارة، عظمة، غضب، رفعة صوفية الخ. ونشعر أن الحركة الواحدة أو الآربا لابد أن تكون لها عاطفة أساسية واحدة أي حالة نفسية أيضا مثل المؤلفين الآخرين، استخدم باخ الرموز في عمله: كان بانتظام لديه الأصوات ترسم الصليب عند ذكر المسيح، تأثيرات صاعدة بالوتريات حين يتكلم المسيح، أحيانا يستخدم الرقم الإلهي ثلاثة والإشارات الرقمية المنظمة القائمة على مبادئ الكبالا اليهودية. (النظام الحسابي الأخير انتشر ضمن الطبقة المثقفة لعصر النهضة وباخ أكملها).


الآريا Wie zittern und wanken من كنتاتا "يا رب لا تحاسبنا" تعكس كيف يمكن أن يرسم باخ صورة في نص معين. تتحدث الكلمات عن المذنبين المرعوبين أمام مقعد الحكم لله، هم يرتعدون ويكررون أنفسهم يتهمون بعض بخطاياهم. لحن باخ يبدو أول الامر بسيط وجميل ومؤثر. بالنظر للمدى الأبعد يكتشف المرء أن مصاحبة الاوبوا تكرر نفس العبارة مرارا وتكرارا مثل المخطئين أن المصاحبة ترتعش مثلما يفعلون، أن الباص مفقود وبالتالي لا أساس لهم. مع هذا التفوق، الذي لا يبدو مرغم أبدا مثلما تفعل تأثيرات هاندل احيانا، باخ يرسم المشهد للسامع. مع ذلك بنبرة الموسيقى يضيف باخ شيئا مفقودا من النص الخاص بالنار والحجر وهو شعور مؤثر بالشفقة على هؤلاء المذنبين.

كان باخ آخر استاذ عظيم للتقليد البوليفوني. فن البوليفونية هو أصعب انضباط في الموسيقى لأن كل شيء عليه خدمة هدفين متناقضين: الخطوط اللحنية لابد أن تكون كثيرة وحرة لكن في نفس الوقت عليهم العمل معا في انسجام. على أعلى مستوى كتابة الكونترابنط هي محاولة ذات تعقيد يشبه أينشتاين.

أجاد ليس فقط المطالب الصعبة للكونترابنط لكن احتفلوا بها، بدا أسعد عند وضع أصعب المشاكل امامه. في الفنون البوليفونية المنضبطة للفوجة والاتباع هو سائد لكن فوجاته كانت محبوبة لأجيل ليس لأنها غزيرة لكن لأن نغماتها جيدة للغاية والأثر الكلي جميل للغاية. مقارنة بأعماله فوجات موتسارت وبيتهوفن الملهمة جزئيا بأعمال باخ تبدو متعمدة وغير واثقة. حتى في مقطوعة صغيرة غير مدعية مثل "أيها المسيح يا فرحة رغبة الإنسان" ياخ يلقي بالأجزاء الكونترابنطية الصعبة التي يحققها قليل من المؤلفين الآخرين في أكثر اعمالهم طموحا.

المشكلة مع ميله للكونرابنط هو أنه قلله في أعين معاصريه الاكثر تقدمية. اسلوبه البوليفوني وأشكاله الموسيقية المفضلة – الفوجة وكوارال فانتازي والآلام والكنتاتا كانت تسخدم في عصره. اربعة من أبنائه (كارل فيليب إيمانويل، يوهان كريستيان، فيلهلم فريدمان، يوهان كريستوف) سيقود الطريق نحو الأسلوب الكلاسيكي الجديد الذي اعتمد على لياقة وخفة الكونترابنط القديم. رغم أن كارل فيليب إيمانويل بذل الكثير للحفاظ على موسيقى والده أيضا أشار له باسم "العجوز".

بقول آخر كان باخ محافظ قضى حياته يجيد التقليد البوليفوني الذابل. أكثر من أي شيء آخر صم الجيلان التاليان آذانهما على عبقريته. رغم أنه قائد الموسيقى المعترف به في لايبزج، سنواته الأخيرة على الأرجح صارت مؤسفة من الإهمال، في أية حال تراجعت إنتاجيته.


يبرز حدثان قرب نهاية حياته. عام 1747 ذهب الى بوتسدام لزيارة كارل فيليب إيمانويل الذي كان يعمل في بلاط المالك/القاهر/عازف الفلوت البروسي فريدريك العظيم. كان الملك يمارس عزف الفلوت حين أعلن وصول باخ، أنزل آلته وصاح: "أيها السادة، باخ العجوز هنا!” لساعات قاد باخ خلال القصر حيث تباهى بمجموعة أآلات البيانو فورتي ما زالت الآلة في أول مراحلها في التطور، جرب باخ كل آلة، فارتجل على إحدى آلات البيانو فوجة لستة أصوات وعلى أخرى فوجة على لحن للملك. كان يوم نادر ومرضي للتصفيق للمؤلف المسن. لدى عودته للمنزل استخدم باخ لحن فريدريك كأساس لمجموعة تحف رائعة كونترابنطية أرسلها للملك بعنوان "تقدمة موسيقية".


القصة الأخرى أكثر إثارة وبها بعض الغموض. عام 1733 كتب باخ قسمين من قداس ديني وكريالسيون وجلوريا في محاولة للحصول على لقب تكريمي كقائد الفرقة الموسيقية لملك بولندا الكاثوليكي وناخب ساكسونيا. نال اللقب فقط ليجد أنه بلا أجر. على الأرجح استخدم هذه الموسيقى في سانت توماس للقداس اللوثري المختصر. ثم من 1747 حتى 1749 ملأ باخ قداس كامل في مقام سي الصغير حيث عالج الموسيقى من أعمال سابقة وأضاف بعض الأقسام التي كتبها حديثا.

هنا يكمن الغموض. لم يتمكن باخ من استخدام هذا القداس في كنيسته الخاصة: كان الشكل الكاثوليكي الكامل بدلا من اللوثري. لما على المؤلف البروتستانتي العملي في تلك الأيام، الذي يكتب عادة لغرض عاجل، عمل شيء غير مفيد لهذا الحد؟ لن نعرف أبدا على وجه التأكيد لكن من المحتمل أنه كان يريد بالقداس في مقام سي الصغير أن يكون تتويج لأعماله وشهادته الرب والناس لأعلى شكل موسيقي في العصر. بالتأكيد باخ لم يفكر قط في الأهمية التي سيصل لها في المستقبل لكن القداس يدل على أنه على الأقل لم يتخلى عن الاحتمال. هذا العمل الرائع الذي بدأ كطلب وظيفة وتم تجميعه أساسا من مقتطفات من أعمال أخرى، يوجد اليوم كأحد أعظم تحف للروح البشرية والخيال.

في نهاية 1749 بعد عقود من الجهود الخارقة، ضعف بصر باخ الذي كان دوما ضعيف لكن هذه المرة بالكامل. في يناير أجرى جراح إنجليزي جراحة على عينيه. كانت النتائج كارثية، وظل باخ أعمى وانهارت صحته الجيدة بسبب العملية والأدوية. كان طرح الفراش ومحاطا بأسرته واستعد للنهاية. تقول الأسطورة أنه في أيامه الأخيرة أملى على طالب له نغمة بنغمة عمله الأخير وهو مقدمة للأرغن سماها "أمام عرشك أقف". اللحن الرئيسي يشير رقميا لاسمه. كان إهدائه لسانت بيتر. توفي بعد إصابته بسكتة في 28 يوليو 1750 ودفن في لايبزج في كنيسة سانت جون في قبر ليس له علامة. كخادم مجهول آخر للرب.

بالطبع حكاية الموسيقى لم تنتهي هنا. كارل فيليب إيمانويل عمل للحفاظ على ذكرى والده حية. في أيدي العديد من المتحمسين وجده موسيقى باخ الملاذ. أحدها كان نيف مدرس بيتهوفن الذي جعل طالب يتعلم "الكلافيير المعدل" كله ويحفظه. لباقي حياته، حافظ بيتهوفن على صورة باخ فوق مكتبه. موتسارت عزف جيدا موسيقى أبناء باخ الأربعة المشهورين التي ساعدته على تشكيل أسلوبه الخاص، لكن اكتشافه المتأخر ليوهان سباستيان باخ أثرت بعمق على موتسارت حيث جعلته يعيد اكتشاف الكونترابنط. امتلك هايدن نسخة من القداس في مقام سي الصغير التي قد تكون أثرت على أعماله الدينية اللاحقة.


لذا عكس الأساطير اللاحقة، لم يتم نسيان باخ لكن كان فقط في الخلفية حيث ساعدت أعماله على توسيع كل ذهن موسيقي لمسته. حين أحيى فيلكس مندلسون "آلام المسيح وفقا لإنجيل متى" في برلين 1829 بدأ العالم يصحو لعظمة باخ. ثم المؤلفون الكلاسيكيون الأوائل الذين خيمت أعمالهم على أعماله بدت الأعمال العصرية لوقتها فقط. لكن باخ كان مؤلف لكل العصور.


عام 1850 تم تأسيس جمعية محبي باخ لجمع ونشر ما بقى من اعماله في النسخة الكاملة الحديثة التي يصل عددها الى 60 مجلد يمكن الجدل أن هذه المجلدات تشكل أعمق واروع مجموعة اعمال كتبها ذهن واحد في اي مجال في حياته الطويلة.

لم يأتي احد بهذا القدر المؤكد من الموسيقى الجميلة والسيئة أو العبقرية في أي مؤلف آخر. بالتأكيد ضمن المؤهلات لعبقري خالد مثل باخ مسائل التقنية والمجال التعبيري. بالنسبة للتغير يبدو قادرا على عمل شيء على الإطلاق: من النغمات الصغيرة مثلما في الكتاب لآنا ماجدالينا لأعماله مثل الكنتاتا الرعوية للموسيقى الراقصة الأنيقة في متتاليات الهاربسكورد للكتابة اللحنية المؤثرة مرارا وتكرارا لنبرة النبلاء المهمين مثل السانكتوس من القداس في مقام سي الصغير وحتى لدرجة اليأس – مثل الافتتاحية المعذبة لآلام المسيح وفقا لإنجيل يوحنا الذي يتناول البشرية في عالم بعيد عن الرب.

إجادة التعبير العاطفي عن باخ أيضا أعظم سادة الموسيقى مراعاة للجوانب الفنية – كان سيد في الكونترابنط وبارع في اللحن والهارموني وأستاذ في الأشكال الصغيرة والكبيرة. تقريبا أجاد كل نوع موسيقي موجود في عصره باستثناء الأوبرا. بالتأكيد المؤلفون الآخرون وجدوا إمكانيات التعبير والتقنية التي كانت مجهولة لباخ – على سبيل المثال الذاتية الشديدة التي أحضرها بيتهوفن للموسيقى. لكن في باخ نرى المجال الكامل لما يمكن أن تؤديه الموسيقى في عصره.

وراء هذا من بين كل المؤلفين تبدو نغماته لا يمكن أن تدميرها نجت من التوزيع الأوركسترالي الحديث وجعلها موسيقى إلكترونية وغناء مرتجل وعزف فرق الروك والكوتو الياباني. إذا تمتعت بهذه الأشياء تمتع بها ما زالت الانغام كما هي وبعض الذهن يلمع. بالمثل المجموعات المسجلة لمخطوطات باخ الأخف "عيسى، يا فرحة ما يرغب به البشر" و"فلترعى الأغنام بأمان" إلى آخره. مع ذلك أسفل سأركز على الأعمال الكبرى وسيلة واحدة في المرة الواحدة.


طويلا أشهر أعمال باخ الاوركسترالية ست كونشرتات براندنبورج لسنة 1721، التي تظهر المؤلف في أفضل حالاته خفة كلها تتبع مبدأ الكونشرتو جروسو الباروكي كما أبدعه فيفالدي حيث مجموعة أكبر من الآلات يتراوح مع مجموعة صولو بدلا من عازف الصولو الواحد. الكونشرتو الاول مثلا به مجموعة صولو من آلتي هورن فرنسي و3 أوبرا وكمان، المجموعة الاكبر هي المجموعة الطبيعة للوتريات لجزئي كمان وفيولا وتشيللو وباص إضافة للباصون والباص المستمر. كل المقطوعة تتسم بكتابة لامعة للهورن وصوت مبهج للاوبوا اضافة للصولو للكمان. الكونشرتو الثاني له مجموعة صولو من اربع آلات – الترومبت والفلوت والاوبوا والكمان – وفي النمط المعتاد للحركة سريع-بطئ-سريع للكونشرتو جروسو. الموسيقى في البداية تضع لحن يتسم بالمزاج الحسن الراقص والأليجرو هو الأداة المميزة لباخ التي تتميز بالحركة الدائمة. ملحوظ هنا الكتابة للترومبت وأداة العزف المفقودة بين عصر باخ ومنتصف القرن العشرين.


في بعض الجوانب أهم كونشرتات براندبورج هي الثالث والخامس. كتب الكونشرتو الثالث لثلاث مجموعات آلات وترية إضافة للباص، تقدم تأثيرات سمعية لمادة ترجع للوراء والخلف ضمن الأنماط دائمة التغير للعازفين والمجموعات. لا يوجد في أي مكان موهبة باخ للحصول على أقصى نسيج من مجموعة صغيرة من الأفكار التي رأيناها هنا: كل حركة تقدم تنوع مستمر من لحن أو لحنين. في الكونشرتو الخامس العازفون الصولو هم الفلوت والكمان والهاربسكورد. قرب نهاية الحركة الأولى توجد كادنزا مذهلة للهاربسكورد حيث الآلة بالكاد لديها أي مجال للصوت فتبدو تعلو في القوة على مدى عدة دقائق لذروة ذات قوة سيمفونية تقريبا.


يجب أن نضع في الأذهان أن الأوركسترا في وقت باخ لم تكن موحدة كما صارت لاحقا. في كونشرتات براندنبورج، مال التكوين الآلي للتغير من عمل لآخر، حسب التأثيرات التي أرادها المؤلف وأي العازفين متاحين ذلك الأسبوع. لمقطوعة حافلة يمكن استخدام الترومبت والطبول والنفير؟ لمقطوعة أكثر تواضعا، كان الفلوت أو الركوردر مع الوتريات مناسبا. الأربع متتاليات للأوركسترا تظهر باخ في طابع احتفالي دنيوي مع استخدام الكثير من آلات الترومبت والطبول. جرب سماع المتتالية في مقام ري واللحن الطويل للكمان الغنائي في الحركة الثانية كان محبوبا لعقود بعنوان "لحن على وتر صول".


كان باخ من أول المؤلفين الذين كتبوا كونشرتو صولو من النوع الذي صار التقليد في العصر الكلاسيكي وبعده. أشهرها للهاربسكورد – رقم 1 في مقام ري الصغير ورقم 4 في مقام لا الكبير ورقم 5 في مقام فا الصغير. الأوكتيف الرياضي الذي بدأ رقم 1 يبدي جانبه حيوي. هذه المقطوعة موجودة في نسخة الكمان الصولو كذلك مثل كل مؤلفي العصور الذين أنتجوا بانتظام أعاد الاستخدام بانتظام وأعاد كتابة مقطوعات لأغراض جديدة.

وليس أقل استغراق مقطوعات لآلة واحدة كتب باخ أخف هذه المجموعات للهاربسكورد الصولو والمتتاليات الفرنسية والإنجليزية لتعليم زوجته الشابة آنا مجدالينا كلا المتتاليتين وست مقطوعات بارتيتا للهاربسكورد الصولو هي أساسا مجموعات من الرقصات الرشيقة سمى باخ البارتيتا "أعمال أنيقة كتبها للترفيه الذهني لمحبي الفن".

خطوة أعلى في النطاق والجدية تصل بنا لأحد قمم برامج حفلات الكيبورد وهي الآريا مع 30 تنويع معروفة بتنويعات جولدبرج وتقول الأسطورة أنه كتبها لصديق اسمه جولدبرج وكان يقصد منها أن عزف ليلا لتخفيف الأرق الذي عانى منه مستخدم جولدبرج الكونت فون كيسرلينج وإن صدق هذا كانت مهمة غريبة لكن باخ استجاب بتوسيع مذهل للآريا. فعلى خط الباص من تلك النغمة بنى عالما صغيرا من التعبير، كل شيء من الفرح المنفجر إلى الحزن المهذب.


توجت أعمال باخ للكيبورد ب48 مقدمة وفوجة في كتابيان يضم كل واحد 24 مقطوعة تشكل الكلافيير المعدل. العنوان ينبع من اقتناعه أن ضبط اوتار الكيبورد لابد أن يتغير لمسافة مساوية بين كل النغمات. النظم السابقة للتنغيم استخدمت فواصل غير متساوية تركت بعض المقامات منغمة لكن بعضها الآخر حاد مع مزاج متساوي، كل المقامات الكبيرة والصغيرة متساوية وتقريبا خارج التنغيم وبالتالي كلها مستخدمة ولذا في المجموعة كتب باخ عملين مقدمة وفوجة في كل مقام كبير وصغير ليستعرض المزايا في العمل.

الكلافيير المعدل تدفق مذهل آخر المادة لم تتشابه أي مقطوعتين معا يغطيان مجال هائل للمنطقة المعبرة والأسلوبية. استغرق تأليف الفوجات أعلى مما حدث أبدا لكن باخ أخذها في اسلوب أعلى وهو فن الفوجة الذي كان يعمل عليه حين توفى. لم يكن هناك منهج علمي تقريبا لتقنية التأليف احضر هذا الفن الموسيقي والتعبير.

ضمن الأعمال الكبرى الأخرى للآلات الصولو 3 اعمال سوناتا و3 بارتيتا للكمان الصولو ومجموعة مقابلة لست متتاليات للتشيللو الصولو. باخ احب الترقيم المنظمة في مجموعاته. كلها كتبها إضافة إلى الكثير من أعمال أخرى من موسيقى الحجرة خلاله سنوات باخ في كوتن. من ضمن مقطوعات الكمان جرت سماع بارتيتا رقم 2 في مقام ري الصغير الشاكونة الختامية مشهورة فوصلت إلى ذروة العظمة التي لا تبدو ممكنة للكان الصولو. من المتتاليات للتشيللو اقترح أول اثنين الأولى المتفائلة والمبهجة في مقام صول الكبير والثانية الكئيبة في مقام ري الصغير.

موسيقى الأرغن عالم في حد ذاتها حيث يبرز باخ وحده في قمة هذا الفن. أبدأ باستكشاف بعض الأعمال المفضلة المحبوبة مثل البساكاليا الواسعة والفوجة في مقام دو الصغير، الفانتازيا والفوجة في مقام صول صغير والتوكاتا والفوجة في مقام ري الصغير

أكبر و,وساع واعمق فئة في كل أعمال باخ هي الموسيقى الدينية للأصوات والاوركسترا. اعمال الكنتاتا الباقي تصل إلى 200 عمل. معظمها كتب بسرعة قصوى لأن صلوات الكنيسة اللوثرية ليوم الاحد تطلبت واحدة أسبوعيا إضافة إلى أخرى في مناسبات خاصة. اجمالا الف باخ على الأرجح نحو خمس مجموعات من 58 كنتاتا للصلوات.


بالطبع ليس كل موسيقاه تقف على أعلى مستوى. توجد العديد من الاريا داكابو وأعمال كاملة للكنتاتا دون إلهام. وقيل انه رغم أن فيفالدي المؤلف الأقل موهبة لكن على الاقل عرف متى يصمت لامكن قول نفس الشيء عن باخ. لكن في كل موسيقاه لائحة شيء تثري بالذهب مثلما في مقطوعات الكنتاتا. كبداية في حياة كاملة من السماع لاعماله سنوصي بثلاثة. الاولى "يرقد الميسح في برك الموت" وهي كنتتاتا مظلمة ومأساوية في النبرة. على العكس كنتاتا "الحصن القوي هو الله" تنتمي لنفس الفترة وهي واحدة من أكثر اعمال باخ بهجة وبها دويتو يتميز بالجمال في النص "كم بمارك من يدعو الله" (ايها النايم استيقظوا) هي كنتاتا أخرى مبهجة؛ القسم الرابع حيث ينسج باخ لحن حول نغمة الكورال وجدت شعبية مؤخرا في نسخة تغنى بشكل مرتجل.


ضمن الأعمال الغنائية الأكبر، المجنيفيكات في مقام ري الكبير لسنة 1723 ضمن اكثر أعماله جاذبية. مرة أخرى استخدمت كلمة مبهج للافتتاحية العبقرية لهذه المقطوعة الدينية مع أصواتها الراقصة والترومبت. باخ أعظم أستاذ للفرح الروحاني في أوقامت من الكثافة الدائمة مثلما في الماجنيفكات التي تبدو تغمر القلب.

في قمة موسيقى باخ وربما في كل موسيقى يكمن عملين دينيين هائلين آخرين للأهمية المقابلة هما "آلام المسيح وفقا لإنجيل متى" والقداس في مقام سي الصغير.

"آلام المسيح وفقا لإنجيل متى" هو الأكثر حميمية في العملين. يروي عن قصة وفاة المسيح بالتبادل مع السرد والتأمل المؤثر ويتخلله الكورال والكورس. يمهد الكورس العظيم الساحة والنبرة العاطفية، أحيانا الجوقة تؤدي دور الحشد بالتبادل تتفاعل في رعب تجاه القصة وأحينا أخرى تشارك بجملة "دعه يصلب" يروي الإنجيل القصة في رسيتاتيف مهيب. في الآريا يتحدث الأفراد عن عذابهم وضياعهم: "تعالى يا قلبي واجعله طاهر" تقول الآريا النهائية الرفيعة "حتى أتمكن من دفن المسيح" النهائية رقصة مهيبة للقبر. يعم كل شيء شعور بالمأساة يتجاوز تفاصيل أي دين. عالمية قصة المسيح هي كل ما نعاني منه جميعا كلنا نفقد أحد نحبه وكلنا نسعى للعزاء وككلنا نصلب. "آلام السيد المسيح وفقا لإنجيل متى" تعبر عن الأسف والأمل لكل زمن والبشرية كلها.


القداس في مقام سي الصغير هو الجانب الرسمي للتجربة الدينية - الدراما والصلاة والاستجداء والاحتفال وتأكيد القداس الكاثوليكي. هنا النبرة مرتفعة وموضوعية بدءا من الفوجة الكبيرة للكريالسيون التي تشكل الكورس الأول. لا يوجد جانب من الروحانية التي لم نمسها في هذا العمل من الفرح المبتهج للجلوريا إلى النداء في الكريدو غلى الباص آريا الجميلة الرفيعة في Et in Spiritum Sanctum. ربما أكثر شيء ننساه هو اللقطة المحورية الصلب وهي تعبير عن عملية الصلب في خطوات تصل إلى السواد الصامت للقبر ثم Et resurrexit تبدا بصرخات النصر والجذل. في هذا القداس – في السابق أحد النصب التذكارية الشامخة في الموسيقى الغربية الخيال الإنساني المبدع والروح الدينية – تكمن الثروات فوق كل تصور. نفس الكلمات تقف لكل إنتاج باخ: ثروات وراء كل تصور. استهلك إمكانيات الموسيقى في عصره بعبقرية تستهلك كل مدح. نجد فيه مثلما في القليل من فنانين آخرين إنتاجهم خصب بشكل رائع – رمبرانت وبيكاسو وموتسارت وشكسبير – المرء يرى أن الأقرب للإنسانية يمكنها المجئ للطبيعة بلا حدود التي تولد اشكال وأمجاد والمأساة وراء كل تصور.

Monday, March 17, 2014

أوبرا القرن ال18 وال19

أوبرا القرن ال18 وال19

الأوبرا، وهي نوع الموسيقى/الدراما التي بدأت تغلب الأسلوب الهموفوني على البوليفوني، ولد في العقود الأخيرة من القرن 17 وسط التجمع الإبداعي لمجموعة الفنانين والمثقفين الفلورنسيين المعروفين بالكاميراتا. دفعت النظريات الجمالية وأهداف الكاميراتا بعدد من الفنانين في اتجه نوع جديد النوع المسرحي. وسط العناصر التي تجتمع معا لذلك العرض كان تقليد المادريجال، مع تاكيدها على التصوير الحيوي للنص، وهو ميل جمالي بعيدا عن البوليفونية ونحو الهموفونية والتقليد الكلاسيكي لليونان وروما القديمة، التي في ذلك العصر مثلت طول التعليم والفنون.

بعد عدد التجارب والتكهنات النظرية، أنتج أعضاء الكاميراتا الأوبرا الأولى في التاريخ، التي عرضت أول مرة في فلورنسا عام 1598 وهي "دافني" حيث وضع الموسيقى "جاكوبو بيري" والليبريتو لأوتافيو دنوتشيني، مقتبسة عن الأسطورة القديمة لأبولو ودافني. في عام 1600، بير وجيليو كاتشيني لحن يورديس وجعلها جزء من حفل زواج هنري الرابع لماريا دي مديتشي في فلورنسا، بعد عامين عرض لأول مرة يورديس لنفس النص. الفكرة الاسمية للأوبرا هي إعادة ابتكار دراما يونانية قديمة كما تخيلها الكامرياتا. في الواقع الأوبرا بالكاد يونانية لكن بالأحرى شيء جديد كليا في التاريخ – دراما تغنى بأسلوب هموفوني تصحبه الآلات وأحيانا يتعلق بفواصل آلية ورقص وكورس. إضافة الموسيقى للدراما ابتكر إمكانيات جديدة للتعبير، موسيقى تضخم معنى وعواطف الكلام والقصة.

الأوبرات الاولى كانت في الغالب تغنى بأسلوب جديد يشبه الحديث يعرف بالرسيتاتيف. رغم أن أشكال جذابة موسيقيا مثل الآريا والكورس سرعان ما حصلت على الاهتمام الرئيسي أثناء القرنين التاليين استمرت الحبكة ترسم من الميثولوجيا الكلاسيكي والترايخ. أي لمسات الواقعية تتحقق ترجع إلى مهارة المؤلفين في تقديم البشرية المميزة بشخصيات من الأساطير والميثولوجيا أول من فعل هذا وبالتالي أول مؤلف أوبرالي كان كلوديو مونتفردي، بداية مع أوبراه الأولى أورفيو عام 1607 وآريانا عام 1608. كما شاهدنا في مقال عن مونتفردي، في هذه الأوبرات واللاحقة أحضر الهموفوني والرسيتاتيف إلى قمة الجمال والتعبير الذي بالكاد يضاهيه شيء حتى جلوك في القرن ال18 لاحقا.

فكرة الأوبرا انتشرت خلال أوروبا في القرن ال17، كل مكان طور أسلوبه الخاص. الاوبرا الرومانية قللت من أهمية الرسيتاتيف وركزت على الجوانب الجذابة تجاريا مثل الآريا والكورس والمقدمات الآلية والتأثيرات البصرية الرائعة: القصور الكبيرة وآلهة تطير في السموات وعواصف والمعارك البحرية. روما أيضا أدخلت الفواصل الكوميدية بين فصول التراجيدا هذه المشاهد تعرف بالإنترمتزي التي تطورت لتصحب الأوبرا الكوميدية الإيطالية: الاوبرا بوفا (الهزلية). بعد عقود من الأعمال التي أنتجت أساسا في البلاط الملكي، افتتحت البندقية أول دار أوبرا حكومية عام 1637. هذا أسرع من الدعاية، الآن النغمات الجذابة المؤثرات الخاصة للقرن 17 – كان مطلوبا ليجلب الجماهير: الأوبرا النابوليتانية، التي تطورت في أواخر القرن رسخت بداية الآريا داكابو والمهارة الصوتية المزخرفة، أهمية المطربين الخصيان، والافتتاحية الإيطالية أطلق عليها السنفونيا، كان الشكل الأول للسيمفونية الكلاسيكية التي ظهرت لاحقا. أشهر المؤلفين النابوليين كان أليساندرو سكارلاتي ألى جانب كونه والد دومينيكو العظيم ونحو 115 أوبرا، أليساندرو أيضا أشعل الأنواع غير المعروضة للاوبرا – نحو 600 كانتاتا و150 أوراتوريو.

الأوبرا الفرنسية كانت عالمها الخاص، تدمج العناصر الفرنسية مع الإيطالية. من البداية كان الباليه محوري لموسيقى المسرح الفرنسي. كذلك مدح المالك، الذي كان الراعي الرئيسي للأوبرا. كما نرى في القسم عن جان بابتيست لولي المؤلف غزير الإنتاج في عملية الحفاظ على قبضته على المسرح الموسيقي، وحد لولي الأسلوب القومي والافتتاحية الفرنسية. إضافة لأوبرات مونتفردي وأوبرات لولي وخصمه جان فيليب رامو عمليا الأوبرات الأوروبية الوحيدة في القرن التي نسمعه اليوم عادة في مقتطفات. في إنجلترا دايدو وأنييس لهنري بورسيل 1689 كانت عملا رائعة أهم ثاني أوبرا بريطانية لم تظهر حتى القرن العشرين. قبل حلول القرن الثامن عشر كان للأوبرا جمهورا عرضا من المتابعين خاصة في موطنها إيطاليا لكن أيضا في المدن الكبرى في كل أنحاء أوروبا. فضلت إنجلترا أن تجلب الأوبرا والمؤلفين من القارة. قرب نهاية القرن ال17 مجموعة الرجال الروانيون الأثرياء طالبوا بأول حركات للإصلاح في الأوبرا حيث ابتكروا الأوبرا الجادة مع الليبريتو الموحد من ثلاثة فصول اعتمادا على التاريخ الكلاسيكي أو الأساطير. أهم كلمات الأوبرا الجادة كتبها الشاعر بييترو ميتاستازيو الذي سيطرت نصوصه على القرن. الأهم من هؤلاء الذي لحن الكلمات الموسيقى هاندل. الأوبرا الجادة والهزلية ظلت الأنواع الأوبرالية القياسية في القرن التاسع عشر.

كما ذكرنا بالتفصيل في هذه الأقسام الأسماء الخالدة للأوبرا في أواخر القرن الثامن عشر هي جلوك المصلح وموتسارت العبقري الدرامي. هاجم جلوك المشكلة الدائمة للا,برجا الجادة وهي أن العناصر الموسيقية تميل أن تدفع جانبا العناصر الدرامية للقصة الشخصية ي ناهيك عن التمثيل والعلة المزمنة في إنتاج الأوبرا. في موتسارت ترى الجمع بين العمق الدرامي مع تقاليد الأوبرا الهزلية الموضوعات المعاصرة والشخصيات أحيانا الحور المنطوق بدلا من الإلقاء الملحن الآريات الأكثر تنغيمات مع تنوع اكبر للشكل. بعد موتسارت الذي ما زال متمسكا في الغالب بالتقاليد القديمة للفقرات المنفصلة وتقسيم قوي بين الآريا والرسيتاتيف مؤلفو القرن التالي يتجهون نحو الأوبرا المستمرة في تقاليد متباينة: الألماني الذي وصل ذروته في فاجنر والإيطالي في فيردي.

Sunday, March 16, 2014

كلوديو مونتفردي





لا يوجد نمط واحد للعبقرية. البعض ثوريين، البعض محافظين، البعض ينتمون لعصرهم. المؤلف الإيطالي كلوديو مونتفردي كان الثلاثة في نفس الوقت. أستاذ لأسلوب النهضة القديم استوعب التيارات الجديدة للقرن 17، وأكثر من الثوريين الصغر حوله، أشار الطريق نحو مستقبل الأوبرا. هو شخصية توحد عوالم موسيقية متناقضة ظاهريا للنهضة والباروك.

ولد لأسرة طبيب في كريمونا في 15 مايو 1567، مونتفردي درس الموسيقى في كاتدرائية البلدة. في سن 24 ترك كريمونا لمنصب كمؤلف وعازف وتريات ومطرب للقاعة المهيبة للدوق فنسنزو جونزاجا من مانتوا. مونتفردي ظل في مانتوا لاكثر من عشرين عاما، خلالها ما نشره جعله مشهورا في كل أنحاء أوروبا. الدوق من الواضح قدر هذا الموظف، فأخذه في عطلات وحملات عسكرية في القارة. في نفس الوقت، استاء مونتفردي من وضع خادمه في المحكمة؛ غالبا كان عليه التوسل لراتبه من المسئولين المزدرين. عام 1599 تزوج مونتفردي المطربة كلوديا دو كاتنيس بدا أنه أحبها كليا، وهو مفتاح كشف عن سلسلة من نصوص المادريجال الحسية التي وضعها قرب وقت الزواج.

قلب عمل مونتفردي ومعمله الموسيقي، كان سلسلة المادريجال لمدة 40 عاما. أول أربعة كتب للمادريجال كانت بالأسلوب البوليفوني لعصر النهضة، لكنه أحيا الأسلوب القديم بكثافة جديدة في رسم الصور والعواطف الخاصة بالنص. وراء امتلاك إحساس هارموني مغامر بشكل عام استكشف التأثيرات المعبرة للتنافر بما في ذلك التاثيرات التي لم يصنفها أصحاب النظريات في العصر. هذه المعالجة للقواعد أغضبت المتشددين خاصة أرتوزي الذي هاجم مونتفردي حيث استخدم لغة النقاد المحافظين:
"هؤلاء المؤلفون في رأيي لا يملكون شيئا سوى دخان في رؤوسهم إذا انبهروا بانفسهم في اعتقاد أن بإمكانهم إفساد، إلغاء وتدمير القواعد القديمة التي انتقلت من الأيام القديمة. وصلنا لحد السخف، لكن ممكن كليا أن هؤلاء المؤلفين الجدد سيجدون سبيل لتحويل التنافر إلى انسجام والعكس. لهؤلاء المؤلفين يكفي إحداث ضجة هائلة، توتر سخيف وعيوب كثيرة".

في النهاية هذا النقد أفاد مونتفردي اكثر مما أضره، أرتوزي أثار الفضول للموسيقى التي أدانها. ما زال المؤلف شعر بالحاجة للدفاع عن نفسه، وبدأ فعل هذا عام 1605 مع مقدمة للكتاب الخامس للمادريجال. في هذا وكتابات لاحقة حدد مونتفردي أفكاره وجمالياته. اولا وضع خطا بين البوليفونية الهولندية للماضي التي مثلها سادة مثل جوسكان وبالسترينا والأسلوب الجديد لجماعة الكاميراتا الفلورنسية والمؤلفين المتصلين (التي سماها أصحاب النظريات منودية). الأسلوب القديم سماه مونتفردي الممارسة الشائعة والأسلوب المنودي الجديد الممارسة الثانية. في الممارسة الأولى مالت الموسيقى أن تسود النص، في الممارسة الثانية، النص حكم الموسيقى. (اليوم ببساطة نسميه عصر النهضة من الأسلوب القديم وعصر الباروك من الأسلوب القديم. لاحظ أنه في حين الهموفني ومصطلح فني عام، المونودية هنا تدل على نوع الهموفوني الذي نسمعه في أوائل القرن ال17 للموسيقى الإيطالية التي كتبها للصوت الصولو والمصاحبة).

عكس كاتشيني والمنوديون الرواد الآخرين، لم يرفض مونتفردي البوليفونية كليا. بدلا من ذلك حول الأسلوب القديم نحو أهداف الأسلوب الجديد: بوليفونية تعبر عن النص أيضا. بشأن التعبير كتب:
"بدا لي أن العواطف الأساسية لعقلنا هي ثلاثة في العدد الغضب والرزانة والتواضع. فن الموسيقي يشير بوضوح إلى هؤلاء الثلاثة في مصطلحات "مثار" وناعم ومعتدل. في أعمال مؤلف الماضي تمكنت من إيجاد أمثلة على الناعم والمعتدل لكن لم أجد قط مثال على الأسلوب المثار، رغم وصفه أفلاطون أنه "الهارموني الذي يحاكي الحديث الخاص بالرجل الشجاع الذاهب للحرب". في ضوء هذا بذلك مجهود مع مثابرة وجهد كبير لاسترجاع هذا الأسلوب.


سعيا وراء استخدام أسلوب يعرف باسم Stile concitato اخترع مونتفردي أسلوب التريملو أو هز الأوتار، حيث يكرر القوس بسرعة نفس النغمة، استفاد المؤلفون من هذا الأسلوب منذ ذلك الحين. أثر مخفف هو النبر أي نقر الوتر.


شهد عام 1600 العرض الأول لثاني أوبرا في العالم – يوريديس لجاكوبو بير، التي عرضت بنجاح كبير في فلورنسا. ضمن الجمهور العرض الأول كان مونتفردي. كانت مادريجالاته تتجه بالفعل نحو دراما أكبر ورسم يعبر عن المشاعر، هذا الأسلوب الجديد يمكن أن يمنحه مزايا إضافية للمشاهد والشخصيات والحبكة. كتابه الخامس للمادريجالات الذي ظهر سننة 1905 سيطر عليه الأسلوب المنودي الجديد. بدلا من البوليفونية القديمة للأصوات المتساوية هذه المادريجالات غالبا للأصوات الصولو فوق مصاحبة بسيطة للباص المستمر تماثل الآريا أو مشهد من أوبرا أكثر من مجرد مادريجال تقليدي. هذا التناول منحه الحرية ليسعى لكل إثارة في النص مع الحفاظ على الكلمات بشكل مفهوم. بالتالي مونتفردي صار أول مؤلف عبقري يحقق القوة الكاملة للموسيقى الهموفونية. بعد هذه التجارب في المنودية اتجه للأوبرا. أول عمل له "أورفيو" أنتج في مانتوا عام 1607. رغم أنها ليست أول أوبرا في العالم، هي أول روائع الأوبرا من هذا النوع. من هذه اللحظة بدأ مونتفردي يضع الأوبرا على مسار يتجه نحو المزيد من التنوع الموسيقي، وفوق كل شيء شخصيات أقوى ودراما أكثر. وسع من الأوركسترا من الأعمال السابقة الأوبرالية. لكن هذه ليست الأوركسترا الحديثة، لكن اختيار عريض لآلات هذا العصر: الوتريات التي كان منها الكمان والفيول الأقدم والركوردر والكونرنيت والتمباني والأرغن والهاربسكورد والهارب ومجموعة من الآلات التي تعزف بالنبر – الجيتار والعود والثيربو. إضافة إلى 11 عازف صولو كانت أدوارهم غالبا تتطلب مهارة هائلة، "أورفيو" تتطلب كورس لست أصوات. في حين لا تهرب الشخصيات بالكامل من التجريد الخرافي للأوبرا الأولى (معظم هذه الحكايات مأخوذة عن مصادر يونانية رومانية، مونتفردي قدم بداية في التعبير عن الشخصيات الملموسة مع مشاعر حقيقية. حيث يغني أورفيوس "عشت في حزن" يبدو كأنه يعني ما يقول.


سريعا بعد العرض الأول لأوبرا "أورفيو" توفيت زوجة مونتفردي، تاركه إياه مع ابنيهما. دخل في مرحلة اكتئاب لم يخرج منها لسنوات. وضع جانبا مشروعات جديدة وذهب لمنزل والده في كريمونا حزنا على زوجته. لكن هناك وصله استدعاء من مانتوا بطلب كتابة أوبرا جديدة "هذا وقت اكتساب أكبر شهرة قد يملكها إنسان على وجه الأرض". مع الامتثال لهذه الرؤية من النصر، عاد مونتفردي إلى مانوا ليكتب "أريانا" التي عرضت أول مرة أمام الآلاف عام 1608 وسط تصفيق حاد. مع ذلك العمل اكتسب الشهرة التي يمكن للفنان الحصول عليها. لكنه تراجع لكريمونا شاكيا من الصداع التكرر والحكة الشديدة. إلى جانب كتابة ما أراده حقا كان الحصول على وظيفة جيدة في روما أو البندقية.


عام 1610 قام بجولة إلى روما بحثا عن منصب في الكنيسة ومكان بابوي لأحد أبنائه. أحضر مجموعة أعمال دينية تشمل رائعته "الصلوات المسائية للعذراء المباركة" أهداها على أمل العودة الجيدة للبابا بول الخامس. (هذا العمل الراقي ينضم للقداس في مقام سي الصغير في أنه رأى الضوء كتقدم للوظيفة). على الأقل حصل باخ على الوظيفة، وخاب أمل كل من مونتفردي وابنه في روما. رغبته في ترك خدمة آل جونزاجا أرضته سنة 1612، حيث طرد الدوق الجديد مونتفردي عقب وفاة الدوق فنسينزو.

ظل في كريمونا لمدة عام إلى أن تم استدعاؤه ليتولى واحد من المناصب المرغوبة في إيطاليا بشدة: مايسرتو بازيليكا سانت مارك في البندقية. ظل هناك لباقي حياته.

كل من مونتفردي وموسيقاه أثبتت نفسها حيث كانت تتميز بالتلون مما ناسب سانت مارك والبندقية. كتاباته تكشف عن المزاج والثقة بالنفس والبحث لكن أيضا تفسح مجالا للنعي. رسائل إلى مستخدميه النبلاء تكشف عن المطالب الملحة: "لقد قمت بالرقصات فعلا يا إلهي بحب معتاد ورغبة في خدمتك كانت دائما لدي، لكن ليس بموافقة قدراتي المعتادة – فما زالوا في حالة ضعف من الجهد في الماضي ولا يوجد دواء ولا نظام غذائي ولا مقاطعة الدراسات أعادتهم لنشاطهم الأول. إذن سأتضرع إلى سموك لأجل حب الله لا تحملني عبء العمل كثيرا في وقت واحد أو مدة قصيرة".

لاحظ إيجور سترانفنسكي عند التأمل في أعمال مونتفردي في القرن العشرين التالي: "أشعر أني قريب جدا منه. لكن أليس هو أول موسيقي يمكن أن نشعر بالقرب الشديد منه؟ نطاق موسيقاه كعاطفة وتصميم – تقدم بعدا جديدا مقارنة بأفضل مفاهيم لدينا – لأسلافه ينكمش ليصبح أعمال صغيرة للغاية – الرجل نفسه في رسائله الخاصة مع تقلبه المزاجي، والقلق بشأن قصر الوقت، الشكاوى من الصداع والأصوات التي ليست فقط معاصرة لكن حتى إذا جاز القول تشبهني لحد ما.

في رسالة شهيرة يكشف مونتفردي عن اهتمامه بالقدرة على التعبير خلال رد الفعل لطلب كتابة موسيقى لحوار الرياح: "تغني ارياح سيدي العزيز كيف يمكن تحريك المشاعر خلال سبلها الخاصة؟ [الآن مشيرا إلى أوبراته] حركت أريانا الجمهور لأنها إمرأة، وحركهم أورفيو كونهم رجل وليس رياح [الآن مع تواضع زائف] أشعر بجهلي العميق نوعا ما أن كل الحكاية لا تحركني بأي قدر، وبالكاد أفهمها أيضا، ولا أشعر أنها سوف تلهمني".

رغم شكواه كان مونتفردي بشكل عام راضي أثناء الثلاثين عاما التي قضاها في البندقية. لاقى إعجاب شديد وتقاضى أجر على عمله، وكان يعمل معه أبرع الموسيقيين في البلد. وطبيعي إنتاجه للموسيقى الدينية زاد في البندقية، معظمها في الممارسة الأولى، الأسلوب البوليفوني لعصر النهضة. لكنه حافظ على تيار منتظم للمارسة الثانية أعمال دنيوية أيضا – مادريجالات وموسيقى راقصة للاحتفالات الراقية والأعمال الدرامية.


ضمن الأعمال الكبرى لهذه الفترة المشهد الدرامي "معركة تانكريدي وكلورندا" التي وضحت قوة أسلوبه المرن المعبر لإلقاء اللحني. كان أول من استخدم التريمولو في الوتريات الذي كان أسلوبا جديدا بشكل مثير في هذا الوقت. يمكن أيضا أن يسمع في الأجزاء الوترية جرى الخيول وصليل السيوف (نبر الكمان، وهو شيء آخر جديد)، وتنهدات الوفاة التي يدل عليها التغيرات المفاجئة من عالي لخفيض. في مقدمته لنشر العمل، يتفاخر مونتفردي أن العرض الأول في البندقية كان عام 1624 "في وجود كل النبلاء الذين تأثروا لدرجة البكاء".


في سنواته اللاحقة قلت إنتاجية مونتفردي. بعد أن أودى الطاعون بحياة الآلاف في البندقية أثناء 1630 و1631، قدم الشكر لنجاته بالذهاب للكنيسة والالتحاق بسلك الكهنوت وكتابة قداس للشكر. في ذلك الوقت كان المؤلفون الشباب في البندقية في الغالب طلابه السابقين ويبدو أنهم استغلوا كل الفرص المتاحة.

مع ذلك في السبعينات من عمره، صعد مونتفردي ثانية لكامل قواه حيث كتب أعماله المسرحية التي استوعبت ابتكارات الجيل الأصغر وطورها وراء قدرة أي إيطالي آخر في العصر. المثير الفوري لهذه المقطوعات كان الافتتاح عام 1637 لأول مسرح أوبرالي عام في البندقية – سابقا كانت الأوبرات تعرض في منازل النبلاء. هذا بالكاد يشرح مع ذلك حيوية العملين الباقيين: "عودة عوليس" و"تتويج بوبيا".

أخيرا هذه كانت بوبيا من 1642 أوبرا الإلهام الموسيقي الملحوظ والبصيرة النفسية. مع فعليا قبضته الإبداعية الأخيرة المؤلف البالغ 74 سنة أنتج شيئا جديدا مثل أي عمل في شبابه. كانت بوبيا فوق كل شيء وضعت الأداة الجديدة للأوبرا في المسار الصحيح: بعيدا عن الكلاسيكية الزائفة المزخرفة للكاميراتا الفلورنسية وتجاه الدراما الحقيقية في الموسيقى.

بعد عام من العرض الأول لأوبرا بوبيا وبعد زيارة أخيرة لوطنه كريمونا توفي مونتفردي في البندقية عام 1643. دفن باحتفال رائع في كريمونا. بعد خمسين عام من وفاته حين كان أشهر موسيقي في عصره، نسي فعليا. لكن إدماجه للبوليفونية والهموفونية كان شخصي جدا حتى لم يفيد الجيل الجديد، وفي أية حال، اهتمت جماهير الباروك أساسا بأجدد موسيقى. المجلدات الهائلة لأعمال مونتفردي علاها الغبار في المكتبات وفقد منها الكثير. فقط وصول دراسة علم الموسيقى في القرن العشرين أن بدأت موسيقاه في الظهور. في القرن العشرين خاصة مع العروض المتزايدة للصلوات المسائية.

ليس كل إنتاج مونتفردي الباقي عمر جيدا. رغم أن هذا ينطبق على كل المؤلفين خاصة غزيري الإنتاج ربما يكون حقيقيا بشكل خاص على مونتفردي. الرسيتاتيف الطويل والتريمولو في أعماله المسرحية مثل "تانكريد وكلوريندا" كانت مثيرة حيث كانت الأفكار جديدة، اليوم متوقع أن يريد الجمهور المزيد من التنوع. هنا إذن سنركز على عملين مادريجال وعلى الروائع الهائلة "صلوات المساء و"بوبيا".

المادريجال se vittorie si belle لصوت تينور والباص المتمسر يبدأ كالتالي "إذا كانت حروب الحب تحقق بعض النصر، اصبح محاربا يا قلبي". الموسيقى حيوية مع وقفة رقيقة عند جملة "لا تخف" قبل أن يواصل نفير النصر. مثلما في كل الأعمال الغنائية هذه ليست موسيقى تشغل على جهاز الاسطونات مع سماعها بنصف إصغاء، لابد من التمتع بتغيرها مع الكلمات الليبريتو المتاحة لنرى كيف يعبر عن الإحساس بكل جملة.

المادريجال المعروف "الرياح الغربية" من الكتاب التاسع، هو للأصوات فوق الباص الأساي وهي تقنية من العصور تنسج الألحان بنمط متكرر. غالبا استخدم مونتفردي هذه الأشكال للباص الأساسي. في هذه الحالة إنه نمط باص قصير وحيوي الصوتان فوقه يندمجان معا في سباق متسارع من المهارة الذي ينتهي بالتنهد المناسب، ثم الموسيقى الطافية للكلمات "الآن أبكي، الآن أغني". في النسوات الأخيرة هذه الجواهر، والعديد من مادريجالات مونتفردي الأخرى سجلتها المجموعات الموسيقى المبكرة.

كل ما يبقى من أوبراه الاخيرة "تتويج بوبيا"، هو نوتتين بخط اليد، لم يكتب أيهما المؤلف، يعكسان فقط الأجزاء الصوتية، خط بسيطة للباص المستمر وفواصل آلية أحيانا. هذه النوت أيضا تم تطويعها بعدة طرق في العروض في هذا العصر، العديد من الأقسام بدا أن مؤلفين آخرين كتبوها. مع ذلك ما يبقى هو كافي لإثبات أن هذه أعظم أوبرا في القرن السابع عشر وضمن الألمع في كل عصر. ليس حتى وقت موتسارت أن ظهرت أوبرا أخرى بدت خالدة وتصلح لكل العصور وأقل تقيدا بالتقاليد الاصطناعية ونافذة من الناحية النفسية.


اولا على خشبة المسرح تأتي الأرواح الحظ والفضيلة والحب. الحظ يعلن: "خبئ نفسك يا أيتها الفضيلة الفقرة أصباح" وسط شكاوى الفضيلة العاجزة يعلن الحب الفائز الوضع في الاويرا: مجرد تغيرات المزاج ستغير العالم. موضوع بوبيا هو السلطة التي لا تقاوم للحب لإفساد الأفراد والمجتمع. مع ذلك مسرات الحب والفحش لم يستوعبها أحد في الموسيقى بهذه الروعة.


الإمبراطور نيرون رجل عابث ينوي استبدال زوجته الإمبراطورية ويحل محلها بوبيا المتآمرة. رغم شكاوى مستشاره الفيلسوف سنيكا، ومحاولة الإمبراطورة قتل بوبيا، ينجح نيرون في قتل سنيكا والاحتفال بوفاته في حفل فيه شرب الخمر، ونفي الإمبراطورة السابقة، وتتويج محبوبته المخجلة وسط الضحك الساخر من البلاط. الدويتو الأخير الجميل لنيرون وبوبيا يطغى على السخرية.

لماذا تناول مونتفردي المسن هذه القصة الفاضحة؟ يصعب قول السبب، إلا أن القصة مليئة بالشخصيات الثرية التي يرسمها بالموسيقى: الصوت الموحي لبوبيا، والصوت العفوي لنيرون، والإمبراطورة المقالة التي تنعى أحيانا حظها وأحيانا أخرى تهدد بالقتل. رغم أن كل الشخصيات فاسدة بدرجة معينة، كلهم عدا بوبيا يكشفون عن بعض الخير والتعاطف والشجاعة التي تكون مثيرة أكثر في عالم ملئ بالطمع والعنف والحكم حسب النزوات عالم ربما يشبه البندقية في عصر مونتفردي.

مع المصادر الناقصة، في عصرنا يعتمد نجاح هذه الأوبرا على التوزيع الخيالي والعرض المسرحي من الدارسين والمخرجين. حتى في هذا الوقت، لم تسعد النتائج الجميع، خاصة عند سماعها فقط في التسجيلات. معظم العمل عبارة عن إلقاء لحني بحت مع مصاحبة بسيطة توجد عدة مشاهد درامية كبرى أو آريات من النطاق الكامل. هذا ليس الأسلوب النشط والساخر لموتسارت مع الانقسامات الواضحة بين الآريا والرسيتاتيف أو الميلودراما المشحونة لفيردي. بدلا من ذلك بوبيا هي عمل بطئ ميلودرامي مهيب ثري بالعواطف الرفيعة والأخلاق.

لكن بالنسبة لمن يشعر بحساسية نحو هذا العمل، هو آسر كليا. صوت مونتفردي في الموسيقى الدرامية هي ضمن الأكثر مرونة في كل عصر، الموسيقى تتغير باستمرار لتتبع العواطف التي تتغير بسلاسة ضمن الإلقاء الملحن والأريوزو (أقسام تشبه الآريا القصيرة)، الفواصل الآلية، والكورس والآريات الكاملة مع الألحان الغنائية الخالدة. من كل الأساليب الأوبرالية، يمكن الجدال أنه أسلوب مونتفردي الذي يعكس بأفضل شكل الواقع دائم التغير على الأقل إلى حين النسيج الأوركسترالي المستمر لآخر أوبرتين لفيردي. كان مونتفردي فوق كل شيء من رسخ التقليد الأوبرالي الإيطالي، مع العاطفية الشديدة التي ظهرت لذروتها مع فيردي بعد مائتي عام.


رائعة مونتفردي الأخرى تعرف باسم "الصلوات المسائية لسنة 1610” أو "الصلوات المسائية للعذراء المباركة". موسيقاها تماثل لحد ما "بوبيا"، رغم أنها في أقسام أكثر وضوحا، "الصلوات" ما زالت عمل متدفق متنوع. هنا الآثار الملونة تزداد ببراعة مونتفردي الآلية والكورالية إضافة إلى كتابته الصولو. بعض الكورس يقترب من أسلوب عصر النهضة، مع الكونترابنط المحاكي، لكن الأغلب قريب من المارسة الثانية، وغالبا يتسم بالجمال المذهل.


جزء من قيمة "الصلوات المسائية" هي التجدد للآذان الحديثة للغة الموسيقية لمونتفردي ولتناوله للموسيقى الدينية. لا نجد التدين البروتسانتي لباخ، لكن بدلا من الديانة الكاثوليكية من البندقية والمعارضة للإصلاح. في موسيقى مونتفردي المنودية يوجد فرق قليل بين أساليبه الدينية والدنيوية. للصلوات المسائية ابتكر شكل نغماته الأساسية مبهجة والاحتفال الذي يبدأ مباشرة من الافتتاح الذي يترواح بين النفير بنغمات الرقص الحيوية. من حين لآخر في التاريخ يظهر عمل يتناول كل تيارات العصر في تجميع عظيم. ضمن هذه الأعمال القداس في مقام سي الصغير لباخ، والسيمفونية البطولية لبيتهوفن والصلوات المسائية لمونتفردي. إعادة اكتشاف مونتفردي تستمر تكتشف في العروض المحبوبة أكثر لحيوية خياله.