Wednesday, August 10, 2022

أدامز

 

جون أدامز

جون أدامز وستر مؤلف موسيقي وقائد أوركسترا معروف بشكل خاص بسبب أعماله للأوبرا حول موضوعات معاصرة، يعد واحدا من أكثر المؤلفين الذين تعرض أعمالهم أثناء حياتهم

 

1- حياته

درس الكلارنيت على يد والده ومع فيلكس فيسجوليا عازف الكلارنيت مع أوركسترا بوسطن السيمفوني. في سن العاشرة بدأ تلقي دروس النظريات والتأليف وفي سن 14 عرضت أول مقطوعة  له من قبل أوركسترا أمريكيا التي مارس معها قيادة الأوركسترا كما عزف مع الأوركسترا إلى جانب والده، كان دائما يظهر أمام جمهور من المرضى المعاقين ذهنيا في مستشفي نيو هامبشاير كدارس في جامعة هارفارد (65-71- ماجستير 72) درس التأليف الموسيقى مع ليون كيشنر وإيرل كيم وروجر سيشنز وهارولد شابيرو وديفيد ديل تريدتشي. خلال هذه الفترة عزف أ؛يانا على آلة الكلارنيت مع أوركسترا بوسطن  السيمفوني.

 

بعد الانتقال لسان فرانسيسكو عام 1971، عمل أدامز بالتدريس في كونسرفتوار سان فرانسيسكو (1972-1982). وسرعان ما أصبح جزءً من ساحة الموسيقى الجديدة التي كانت تعمل بمثابرة في منطقة باي وبدأ يتواصل مع المؤلفين المحليين والموسيقيين. كمايسترو في فرقة الموسيقى الجديدة في الكونسرفتوار، تم تكليفه وأدخل أعمال جديدة من مؤلفين تجريبيين مهمين. في عام 1978 أصبح مستشار الموسيقى الجديدة لأوركسترا سان فرانسيسكو السيمفوني. مع المدير الموسيقي إدو دو وارت، ابتكر سلسلة من الموسيقى الجديدة وغير المعتادة للأوركسترا، حيث عرف جماهير سان فرانسيسكو بمؤلفين طلعيين أمريكان وأوروبيين. تعاونه مع الأوركسترا عمل كنموذج لبرنامج الإقامة "قابل المؤلف"، خلاه تعين كمؤلف مقيم في الأوركسترا (1982-1985). كتب عمليه "هارمونيام" و"فن الهارموني" للأوركسترا، مما رسخ سمعته على النطاق القومي.

 

في عام 1983 المدير بيتر سالرز كلف أدامز بكتابة أوبرا عن الموضوع غير المعقول لزيارة ريتشارد نيكسون للصين التي استغرقت ستة أيام لمقابلة ماو زيدونج في عام 1972. مع العرض الأول من أوبرا هيوستون في أكتوبر عام 1987، تم عرض "نيسكون في الصين" أكثر من 70 مرة في السنوات القليلة التالية. وأذيعت الأوبرا على التليفزيون وحصلت على جائزتي إيمي وجرامي. كان تسجيل شركة "نانساتش" يعتبر "واحدًا من أهم عشرة تسجيلات في العقد" كما ذكر في مجلة تايم.

 

بين 1989 و1991 كتب أدامز وأليس جودمان أوبرا ثانية عن حدث معاصر، اختطاف السفينة الإيطالية أشيل لورو عام 1985 على يد مجموعة فلسطينية إرهابية. "وفاة كلينج أوفر" حصلت على أول عرض لها في مارس 1991 خلال حرب الخليج. تم عرض الإنتاج الأصلي، من إخراج سيلارز وتصميم الرقصات لشركة مرك موريس، في ليونز وفيينا وبروكلين وسان فرانسيسكو. وظلت الحساسية السياسية للموضوع مع ذلك محل نزاع وسوء تفاهم خلال العروض. ورغم أن الأوبرا متوزانة بشكل حذر، مع اللغة الفصيحة و البذيئة بالتساوي بين الأسرى اليهود والفلسطينيين والمسيحيين، تم حظر العروض في سان فرانسيسكو ولم يعرض العمل في الولايات المتحدة بعد عام 1992.

 

العمل المسرحي الثالث لآدامز: "كنت أنظر للسقف ثم شاهدت السماء"، زلزال/عمل رومانسي، عرضه أيضا سيلارز وكان العرض الافتتاحي في مايو 1995 في بيركلي في كاليفورنيا. وأكمل العرض الأصلي جولة استمرت لخمسة أشهر إلى مونت ريال ونيويورك وإدنبره وهلسينكي وباريس وهامبورج.

وكمايسترو، كان جدول حفلات آدامز حافلا. في عام 1988 نال منصب رئيس أوركسترا سانت بول لموسيقى الحجرة، حيث عمل فيه كمايسترو ومستشار موسيقي حتى عام 1990. عمل كمدير فني ومايسترو لحفلات أوجاي وكابريلو الموسيقية في كاليفورنيا، وظهر مع أوركسترا لندن السيمفوني وأوركسترا لندن سينفونيتا وأوركسترا هاله وأوركسترا أوسلو الفيلهارموني وأوركسترا الملكي وأوركسترا سانتا سيسليا وأوركسترا برلين السيمفوني. وغالبا وضع برامج الحفلات لتقدم أعماله بالإضافة لأعمال المؤلفين الآخرين وكانت الأعمال متنوعة فاشتملت على أعمال لزابا وسيبليوس وسترافنسكي وآيفز وكوبلاند ورايخ وجلاس. في عام 1997، احتفل بعيد ميلاده الخمسين فأقام حفلت في أوركسترا أمستردام حيث قدم موسيقاه وأعماله لفرقة موسيقية كبيرة بمشاركة جيل إفانز ومايلز ديفيز وديوك إلنجتون. وفي نفس العام، قدم إمانويل آكس العرض الأول لعمل "مرور القرن" 1996، مع أوركسترا كليفلاند. في عام 1999 قام آدامز بعمل جولة في أوروبا مع فرقة موديرن حيث قاد عمله "الموسيقى الساذجة والعاطفية" (1997-1998) والسيمفونية الرابعة لآيفز.

 

تضمنت التكريمات العديدة التي تلقاها أدامز جائزة حاكم كاليفورنيا للإنجاز مدى الحياة في الفنون، وجائزة الأوركسترا الملكي الفيلهارموني (1994) لسيمفونيته لموسيقى الحجرة، وجائزة جراوماير (1995) لكونشرتو الكمان ولقب مؤلف العام من ميوزيكال أمريكا (1997). في عام 1995 أصبح "فارس معهد الفنون والآداب" من قبل وزارة الثقافة الفرنسية، وفي عام 1997 وقع عليه الاختيار ليرأس الأكاديمية الأمريكية ومعهد الفنون والآداب.

 

2. أعماله

في سنٍ صغيرة، اتخذ آدامز قرارًا واعيًا بأن يبتعد عن اتجاه الطليعة الأكاديمية الأمريكية وقتها والطليعة الجمالية الأوروبية ما بعد الحرب. حتى قبل أن يجد صوته كمؤلف، دمج جوانب من الثقافة الأمريكية الشعبية في عمله. وأول أعماله الكبرى "البوابات الفريجية" (1977) وعمل Shaker Loops (1978 ونسخته المعدلة 1983)ونسخة عمل "منيمالي" في نبضه الآسر الذي يكشف ببطء عن التعديلات والمستويات المنتشية من الطاقة. مع ذلك من بين المؤلفين الذين تم تصنيفهم على أنهم "منيماليين"، كان آدامز أكثر مؤلف ترسخ في التقليدي الكلاسيكي الغربي. وتجعل المراكز اللحنية والسرعات السلسة والخطط الرسمية المعقدة تجعل النوع الخاص به من "المنيمالية" مميزًا عن الأنواع التي استخدمها مؤلفين أمثال ستيف رايخ أو فيليب جلاس. في حين عمل "البوابات الفريجية" نموذجي، كانت اللغة الهارمونية لأدامز في الثمانينات كانت دياتونية مع مدلولات متكررة من ازدواج النغمات. في أعمال مثل "هارمونيام" (1980-1981) وعمل "كتاب الهارموني" (1984-1985)، صاغ الموتيفات المتكررة مع لغة سيمفونية تعبيرية ثرية في القرن التاسع عشر. كانت الأعمال المتأثرة بالأحلام وتحليل يونج والشعر الصوفي والكتابات التي تتجاوز الطبيعية، رسخت أعمال كتلك شهرته كمؤلف "للأعمال المتاحة" التي وفرت الراحة للجماهير الحذرة تجاه الموسيقى المعاصرة. كانت موسيقاه لحنية وعاطفية، لكن ما زالت معقدة، عكست ظهور أعمال آسرة وتميز فترة ما بعد المنيمالية ظهرت في أواخر الثمانينات والتسعينات.

 

علّق أدامز غالبا على نوع من الازدواجية التي ظهرت في موسيقاه أثناء الثمانينيات. خلال هذه الفترة تأرجح بشكل منتظم مذهل، بين القطبين الأسلوبيين: كتب أعمال مثل ("موسيقى البيانولا العظيمة 1982"، "التناظرات المخيفة 1988")، والأعمال التي تتأمل الداخل (كتاب الهارموني 1984-1985؛ "مضمد الجروح 1988"). وخلف الخداع لمقطوعات "المخادع" احتفاله المميز بالموسيقى الأمريكية العامية، ورقصات فوكس تروت والمارشات وموسيقى الفرق الكبرى في مرحلة شبابه. في هذا الصدد، كان آيفز وكوبلاند سابقين له. ومثلهما، نجح في إزالة الحدود بين الفن "العالي" و"الهابط" خلال الاعتماد بحرية على التقليد الأمريكي العريض والخصب.

 

كانت موهبة أدامز في تلحين الإيقاعات الأساسية للشعر تظهر في عمله "هارمونيام"، لقصائد كتبها جون دون وإيملي ديكنسون، وعمل "مضمد الجروح" كتب الكلمات والت وايتمان. والتناول الموسيقي لشعر وايتمان عن العنف البصري المتعايش مع تجاوز الواقع الروحاني امتد بعد عامين في عمله "موت كلنج أوفر". في أعماله للأوبرا، أثبت أدامز أن حساسيته تجاه اللغة تساوي موهبته لوضع الشخصيات المتميزة والدراما الملحمية. أوركسترا المكون من 34 آلة، تضم آلات الساكسفون وآلة "المركب الموسيقي"، التي كتب لها عمله "نيكسون في الصين" يؤكد على روح الدعابة الجافة والثقافة المريرة لشعر جودمان الزوجي. كان عمل "نيكسون في الصين" مليئًا بتسلسل الخيال وفرص الصور وأصداء الفرق الكبيرة، يوضح الشخصية الأمريكية بسخرية لعوب. مثل الكثير من أعمال أدامز، تعمل بالتزامن مع المستويات البطولية والكوميدية والتراجيدية. "موت كلنج أوفر"، وهو عمل موسيقي ومسرحية عن آلام المسيح لها تصميم رقصات تتحرك بين التأمل العميق والوحشية البصرية، يعكس أثر أعمال الآلام لباخ والأعمال الدينية الأخرى. وتمزج السلالم الموسيقية الهابطة من الناحية الكروماتية مع الأشكال المتكررة والخطوط الغنائية لتخلق شعور بمرور الزمن. عمله "كنت أنظر للسقف ثم رأيت السماء" وهي حكاية تم روايتها في 25 أغنية شعبية تصاحبها فرقة روك من ثمانية آلة، هو كوميديا رومانسية وسخرية اجتماعية عن حياة سبعة شباب أمريكان من أصول عرقية مختلفة، كلها تعيش في لوس أنجلوس لحظة الزلازل المدمر لنورث ريدج. مع عناصر الإنجيل والبالاد الراب والفانك، تلتقط نوتة أدامز لقطات من أنماط الحوار لشاعر بيركلي "جوردان".

 

كانت أعمال أدامز اللاحقة تتعلق أكثر بالبوليفونية، والكروماتية والبراعة مع الاحتفاظ بقوة الدفع الإيقاعية لأعماله  السابقة. في عام 1992، واجه شونبرج وهي مواجهة تجنبها لمدة عقدين في أوركسترا الحجرة. قام بابتكار وخلق العمل حين كان يدرس نوتة عمل شونبرج التي تحمل نفس الاسم أثناء الاستماع لموسيقى فيلم الرسوم المتحركة التي كان ابنه يشاهدها في غرفة أخرى. من تلك اللحظة فصاعدًا تميزت معظم أعماله بطابع "غنائي" و"خطي". في أوائل التسعينات بدأ استخدام الأنماط الهارمونية واللحنية، التي أخذت موسيقاه لعالم تعبيري يختلف كثيرًا عن أعماله "المنيمالية" في الثمانينات. على مدار العقد، استمر استخدامه للأنماط الموسيقية في التطور، خاصة بعد أن اكتشف كتاب سلونمسكي "مترادفات السلالم الموسيقية والأنماط الميلودية" وطور تقنية خاصة به. ورغم أن ليس كل أعماله من التسعينيات نموذجية ("القرن يمر"، على سبيل المثال ليس نموذجيًا)، الكثير منها تخضع على الأقل جزئيًا لهذه التقنية (كونشرتو الكمان، 1993؛ "تروس سلومنسكي" 1996؛ الحركة الأولى من Gnarly Buttons 1996؛ الحركة الأخيرة من عمل "الموسيقى الساذجة والعاطفية" 1997-1998).

 

الكونترابنط الكثيف والسلالم المتعارضة في نفس الوقت والجمل الموسيقية غير المتناظرة ظلت عناصر مميزة في موسيقى أدامز. هذه الأعمال يتم استخدامها المذهل في كونشرتو الكمان. وصف أدامز العمل بأنه (دراسة في "الميلودي المفرط" - الكمان يغني بانتظام في 35 دقيقة الكاملة في المقطوعة" في حين تقدم الأوركسترا الخلفية الصامتة. بين الحركة الأولى الرابسودية الغنائية، الشاكونة الرقيقة والتوكاتا، يجمع الكونشرتو العناصر الأسلوبية التي ظلت حتى الآن منفصلة في كتابة أدامز: التأمل الصوفي والحركة البارعة. "القرن يمر" كونشرتو من نوع مختلف تمامًا، تم إهداؤه لآليات البيانو في عام 1920، بالإضافة لدراسات نانكارو للبيانو الآلي.

 

التركيز في تلك الأعمال الحديثة، المليئة بالإيقاع المتعدد والكتابة البارعة، يجعله مرهق للعازفين. هذا جعل أدامز يكون علاقات وثيقة مع فرق معينة (الفرقة الحديثة، فرقة شونبرج، رباعي كرونوس) والعازفين المنفردين (إيمانويل آكس، مايكل كولنز، جيدون كريمر) الذين تمكنوا من عزف تلك الأعمال الصعبة. اهتمام أدامز بالوسائط الإلكترونية، الظاهرة بالإضافة لآلات التوليف في أعماله الأوبرالية ومقطوعات الفرق التي وصلت لقمتها في عمل Hoodoo Zephyr (1992-1993). 

 

مع الوضع في الاعتبار اختيار أدامز لعناوين مثل (Mongrel Airs, Hail Bop, Dogjam)، لا عجب أن عنوان عمله "الموسيقى الساذجة والعاطفية" يشير ليس فقط لمقال شيلر لكن للحالة المشكوك فيها للموسيقى المعاصرة. يتبع العمل من اكتشافه للميلودي الدياتوني مقابل الكورد المستمر في كونشترو الكمان وعمل Gnarly Buttons. في حين يتم الربط بين الكروماتية والابتكار النموذجي في عمل "الموسيقى الساذجة والعاطفية" لأعمال من التسعينات، الإيماءات الجريئة تذكرنا بأعمال "هارمونيام" و"كتاب الهارموني".

 

دروفليه

موريس دروفليه


رغم إن اسمه غالبًا ما يرتبط باسم جابرييل فوريه، امتلك موريس دلوفليه واحدًا من أكثر الأصوات المتميزة في الموسيقى الفرنسية في القرن العشرين. عمله الأثري "القداس الجنائزي (1947) يردد صدى قداس فوريه وبطرق أخرى أيضا، بدا دروفليه منعزلًا عن الثورات التي حدثت في موسيقى ما بعد الحرب. ورغم أن أولفييه ميسيان كان معاصرًا له في كونسرفتوار باريس، قاوم دروفليه التجارب الموسيقية وانتقل بهدوء إلى المؤسسة الموسيقية الباريسية كعازف أرغن لمدة 45 عامًا في الكنيسة الهادئة سانت إتيان دومونت كما عمل مدرسًا في الكونسرفتوار حيث كان مسئولًا عن كتابة القليل من الأعمال، الكثير منها مستوحى من الصلة بين الترتيل الجريجوري والكاثوليكية الفرنسية. وذات مرة اعترف دروفليه بنفسه أنه "ارتبك" من الاتجاه الذي اتخذته الموسيقى أثناء حياته.


ورغم الموهبة التي أظهرها في الكونسرفتوار (فقد فاز بخمس جوائز هناك في فترة العشرينيات) كان التدريب الذي تلقاه دروفليه كعضو في الكورس في كاتدرائية روين الذي سيطر على خياله. ومثل الكثير من المؤسسات الفرنسية الدينية، كانت كاتدرائية روين تفخر بالتقليد الترتيل البسيط بقوة، التي صاغته في القرن التاسع عشر ورتلته يوميًا. تركت هذه البيئة تأثيرًا قويًا على دروفليه، والمعالم السلسة والألوان النموذجية للترتيل تظهر في معظم أعماله. أحيانا يضع الترتيل البسيط كمصاحبة بسيطة للحن، كما لو كانت في السياق الغنائي، لكن دائما تعمل كإشارة خيالية، حيث حاك دروفليه التراكيب المركبة إيقاعيا من خطوطها العريضة.


مثل معلمه بول دوكا، كان دروفليه ينقد ذاته ونشر عشرة أعمال فحسب، التي كتبها في الغالب لآلة الأرغن والأصوات. وضمن أعماله للأرغن "المقدمة والأداجيو والتنويعات الكورالية على لحن "فيني المبتكر" (1930) أحد روائعه الأولى، لكن بكل معنى أعظم أعماله هو "القداس الجنائزي" الذي يصف بإخلاص التراتيل اللاتينية من "الصلاة على الأموات" التي حولها إلى عمل طموح للجوقة والأوركسترا الكبير والأرغن. رغم أن دروفليه لم يرضَ عن جهوده – لاحقًا كتب أنه خلال "الكشف [الترتيل الجريجوري] في خطوط المازورة في النوتة الحديثة، نجازف بتدمير الشعر وطبيعته غير الناضجة والمراوغة" – القداس الجنائزي مع توازنه المصقول للتأمل الداخلي والعواطف صنع اسمه دوليا.


لكن من الخمسينات، حين اتخذت مهام التدريس الأولوية لدى دروفليه، لاقى صعوبة في التأليف بشكلٍ متزايد، وبعد حدوث ارتطام السيارة بشكل كاد أن يودي بحياته عام 1975 اعتزل الحياة الموسيقية كليًا. عمله الأخير "أبانا" مقطوعة رقيقة للجوقة دون مصاحبة موسيقية، كتبه بمساعدة زوجته (كانت هي نفسها عازفة أرغن موهوبة). كختام لمشوراه الفني كان العمل حلو ومر: نص الموتيت ترجمة عامية لصلاة الرب، كلفه بكتابتها لأن باتباع إرشاد الفاتيكان الجديد، قررت السلطات الكاثوليكية عدم استخدام الصلاة اللاتينية المحبوبة لدروفليه واستخدام الصلاة الفرنسية بدلًا منها.

 

Thursday, August 4, 2022

دلابيكولا


 

لويجي دلابيكولا


موضوع حرية الإنسان وإخضاعه سمة متكررة في كل من حياة لويجي دلابيكولا وموسيقاه. ولد في عام 1904 في بيسنو في إستريا وهي منطقة إيطالية من الناحية العرقية تابعة للإمبراطورية النمساوية المجرية، كان عمر دلابيكولا العاشرة فقط حين تدرب هو وأسرته في جراتز بعد أن بدأت السلطات النمساوية في الشك في أن أبيه لديه تحيزات إيطالية كوميدية - وهي تجربة مبكرة لمصير الأقليات السياسية والعنصرية المقيمة في ظل النظام المتسلط. ومع ذلك رغم إن الإزالة الإجبارية قاطعت تعليم دلابيكولا الشاب موسيقيا، كان في جراتز أن سمع عرض "الهولندي الطائر" لفاجنز مما جعله يقرر أن يصبح مؤلفًا موسيقيًا وفي عام 1923 التحق بكونسرفتوار فلورنسا وهو معهد ظل على صلة به طوال حياته.


في أعمال دلابيكولا الأولى يسيطر عليه عدة تأثيرات خاصة ديبوسي، بالإضافة إلى المؤلفين الإيطاليين الأوائل مثل مونتفيردي وجزويلدو وبعد الاستماع لعرض شونبرج لعمله "بييروت لونير" في فلورنسا عام 1924 – استمع إلى موسيقى المدرسة الفيناوية الثانية. وتلا ذلك عقد من الدراسة. وفي عام 1934 تعين دلابيكولا كأستاذ للبيانو في كونسرفتوار فلورنسا (وهو منصب شغله حتى تقاعده عام 1967)، بينما ظلت أعماله تستوعب الدروس التي تعلمها من بوزوني وشونبرج وبشكل خاص من ألبان بيرج، حيث بدأ يدخل نظام الاثنتي عشرة نغمة في موسيقاه. وأثناء ذلك، ظل الفاشية المتنامي أعاد إحياء اهتمامه بمحنة البشر العاديين الخاضعين للطغيان في عام 1938 حين تبنى موسوليني سياسات هتلر العنصرية (مما هدد حياة زوجة دلابيكولا اليهودية) دفعه إلى كتابة عمل "أغنيات السجن" وهو أول عمل يعني بالسجن والحرية. مثلما علق دلابيكولا في مذكراته "في النظام الشمولي الأفراد بلا قوة. فقط من خلال الموسيقى تمكنت من التعبير عن غضبي".


معارضة دلابيكولا العلنية لموسوليني جعلت مركزه غير ثابت حتى عام 1942 حين أجبر على مغادرة فلورنسا ثم اختبأ في الريف. مع ذلك رغم كل المصاعب الشخصية التي واجهها، السنوات السابقة قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية كانت مختلفة حيث رسخ دلابيكولا النسخة الغنائية من موسيقى الاثنتي عشرة نغمة مع طابعه إيطالي خدمه في باقي مشواره الفني، والذي توسع فيه في سلسلة أعمال غنائية أهمها "الكلمات اليونانية" الذي كبته في الأربعينات. كعارض معروف للفاشية، دلابيكولا خرج من الحرب بسمعته الشخصية مدعمة، في حين العرض الأول عام 1950 لأشهر أعماله أوبرا "السجين" ثبت سمعته الدولية كمؤلف إيطالي رائد في جيله. مع ذلك مع ازدياد شهرته مع الجمهور، أصبح أسلوبه الموسيقي مجرد وذاتي، حيث اعتنق التصريحات العلنية من الجمهور لصالح تخفيف أسلوبه الغنائي، كما ينعكس من ثالث مقطوعة من عمله "السجين"، (أغاني الحرية) لسنة 1955

Wednesday, August 3, 2022

copland

 

اشتهر آرون كوبلاند بسبب أعماله للباليه الذي يرفع المعنويات والمقطوعات الوطنية في الثلاثينات والأربعينات. وهذه بالتأكيد ضمن أكثر الأعمال المتميزة في عصرها خاصة حين تضع في الاعتبار أن أغاني ورقصات رعاة البقر كتبها مؤلف من نيويورك له خلفية روسية يهودية. مع ذلك، يعد أمرا خاطئا اعتبار أعمال مثل "بيلي الصبي" و"روديو" و"الربيع الأبالاشي" بمعزلٍ عن باقي أعماله. رغم أن هذه الأعمال من روائعه بلا شك، هي مجرد جانب واحد من فنان تحليلي مستطلع يبحث دائما عن تحدي جديد.


تم وضع ثمار استقلال كوبلاند في سنوات دراسته، وهي فترة كانت الموسيقى الأمريكية فيها إقليمية. ليعكس كيفية ترسخ الأمور وقتها، كان كوبلاند معجبًا بأن يسرد كيف أن مدرسه روبن جولدمارك مدرس محافظ لمادة التأليف الموسيقي، ذات مرة رآه ينظر لنوتة موسيقية لعمل كتبه تشارلز آيفز بعنوان "سوناتا كونكورد" وحظره ألا يلوث ذوقه بهذه الأشياء. لحسن الحظ أنه اتبع نصيحة صديق له وجمع مدخراته وتوجه إلى باريس ملاذ الثورة الفنية من جويس إلى همنجواي ومن بيكاسو لسترافنسكي.


حين وصل كوبلاند شرع في الالتحاق بالمدرسة الجديدة للأمريكان في فونتين بلو حيث تلقى دروسًا على يد ناديا بولانجيه المرأة الرائدة التي دربت جيلًا كاملًا من المؤلفين الأمريكان الناشئين بين الحربين العالميتين. كانت دراسته لمدة أربع سنوات مع بولانجيه (21-25) أهم تجربة موسيقية في حياته: فقد عرّفته على عددٍ متنوع وهائل من التأثيرات الموسيقية وعلمته عن مزايا الوضوح والانضباط كما مهدت له أساسا فنيا صلبا ومعرفة عميقة بالتوزيع الأوركسترالي. اتجاه سترافنسكي للكلاسيكية الجديدة ترك أثرًا قويًا عليه، مثلما فعلت موسيقى مجموعة الستة والصوت الجديد لموسيقى الجاز الذي اجتاح أوروبا وقتها. لم ينظر كوبلاند للوراء قط. ولدى عودته لنيويورك عام 1925 قرر أن يصوغ موسيقى أمريكية مميزة، وهو مشروع يخلو من الجدال في العالم الضيق للموسيقى الأمريكية المعاصرة. وحقيقة أن معظم موسيقاه تباعًا كانت محددة في الخيال الشائع أمريكي مما ضمن له النجاح. لكن كوبلاند اهتم بالموسيقى الأمريكية بشكلٍ عام وحاول دون كلل أن ينال الشهرة العالمية.


في مشوار فني طويل ومثمر خاض كوبلاند أربع مراحل مميزة بشدة: مرحلة الجاز الأولى من 1925 حتى 1929 (على سبيل المثال "موسيقى المسرح" و"كونشرتو البيانو")؛ وفترة طليعية من 30 إلى 36 (على سبيل المثال "تنويعات البيانو")؛ ومرحلة "أمريكانا" من 36 – 49؛ وعودة نهائية لمرحلة صعبة من الموسيقى التسلسلية (في أعمال مثل "فانتازيا البيانو"). مع ذلك رغم هذه التغيرات الأسلوبية الفجائية ثمة صوت مميز لكوبلاند، وهو صوت يتم تحديده أساسًا بقدراته العبقرية كموزع. المؤلف الموسيقي الأمريكي فيرجيل تومسون وصف التوزيع الأوركسترالي لكوبلاند بأنه "بسيط وملون وخيالي بعمق ومسرحي" وشفافيته هي العامل الرئيسي – حتى وسط الأنسجة الحافلة كل شيء واضح. علمته بولانجيه مهارة "إبعاد الآلات عن بعضها"، وهي مهارة جمع معها مهارة جعل كل جزء من الأوركسترا يعبر عن "فكرته التعبيرية" مما يعطي دلالة عاطفية محددة للدراما الواضحة للمقطوعة.


كان كوبلاند أيضا أستاذًا في الإيقاع. الطاقة العصبية لموسيقاه الأوركسترالية تعتمد بشدة على الرقص وإيقاعات المارش، مزينة بإيقاعات الجاز، لكن في الطرف الآخر من قوس القزح يمكنه إضفاء مؤثرات معقدة شبيهة بالحلم، مثل الخادمة البطيئة لسوناتا البيانو. الهارموني لم يكن أقل تعبيرية وأناقة. مرارا وتكرارا وجد كوبلاند سياقات جديدة للفواصل التقليدية والكورد المألوف، يوقعها بشكل غير متوقع في فقرات غير متآلفة، مما جعلها تبدو جديدة.

Friday, July 29, 2022

busoni

 

بوزوني


فيراتشيو بوزوني واحدا من الرجال المنسيين في موسيقى القرن العشرين، وهذا يرجع بشكل كبير لتنوع مواهبه ومقاومته للتصنيف السهل. كان ابنًا لموسيقيين محترفين، ولد بوزوني في توسكاني لكنه قضى معظم حياته المهنية في ألمانيا – رغم أنه اعتبر نفسه دائما مؤلفا موسيقيا في الأساس، - حيث تحققت شهرته المبكرة كواحد من أعظم عازفي البيانو في جيله.


مثل شونبرج – الذي تمتع معه بعلاقة محترمة بالتبادل بينهما – كان بوزوني صاحب نظريات مذهل، وكتابه عن جماليات الموسيقى الجديدة (1907) رسخ مكانته كأحد رواد الطليعة وأول موسيقي يعتنق "المقامية الدقيقة" (أي الموسيقى ذات 36 نغمة في الأوكتيف) والموسيقى الإلكترونية. نظرياته حول الموسيقى الجديدة جعلته هدفا لنقد المحافظين الجدد في الموسيقى، أهمهم هانز فاتزنر الذي هاجمه واصفا إياه ل"الثقافة العقيمة". مع ذلك لم يهرب بوزوني من التقليد وأفكاره الأكثر جرأة لم تجسد في أعماله. بدلا من ذلك فضّل كتابة موسيقى ترجع للقرن الثامن عشر للإلهام، وهو اتجاه أطلق عليه اسم "الكلاسيكية الشابة" وعرفه بأنه "إجادة واستيعاب واستغلال كل إنجازات التجارب السابقة".


في نهاية الأمر تضرر بوزوني من ذكائه التحليلي واحترامه للماضي، وعلى الأرجح يتذكره المستمعون كعازف بيانو ماهر. الأعمال الوحيدة التي يرجح أن تسمعها بانتظام في قاعة الحفلات هو نسخه الرفيع لأعمال باخ للبيانو. مع ذلك، ثمة القليل من أعماله التي نجح بوزوني في تحريرها من أسر الماضي. منها كونشرتو البيانو الهائل وأعماله للأوبرا وبعض مقطوعاته الأصلية للبيانو. لم تنجح أعماله للمسرح – حيث كره بوزوني واقعة الأوبرا الفريسيمو، حيث تطلع بدلا من ذلك لخلق موسيقى تدمج بين الموسيقى والنص مما يسهل على النهوض روحانيا بالجمهور. يمكن أن تكون النتائج غير ناجحة أحيانا، لكن عمل "دكتور فاوست" بالأخص يضم بعض اللحظات القوية وكل من أعمال الأوبرا نتاج الذكاء الباحث.

Monday, June 27, 2022

Josquin

جوسكان دو بري


رغم أنه كان أكثر الموسيقيين إثارة للإعجاب في عصره، لا نعرف الكثير عن حياة جوسكان دو بري. ولد في عام 1440 في بورجاندي، على الأرجح كان يغني ويقود جوقة الكنيسة في شبابه، من ضمنها كنيسة سانت كوينتن وفي ترقب مهنته العالمية، كاتدرائية ميلان في إيطاليا. قد يكون قد جرس مع المغني الفلمنكي يوهانس أوكجم، الذي استوعب جوسكان أسلوبه الروحاني القوي وإجادة استخدام الأدوات البوليفونية.


نعلم عن مشوار جوسكان الفني خلال الإشارات لوجوده في محاكم الدوق في ميلان وفيرارا، إبرشية السيستين في روما، في بلاط الملك لويس الثاني عشر. أنهى حياته في العمل في كنيسة كوندي وتوفى في عام 1521، الأعمال الباقية تشمل 18 قداس و100 موتيت و70 أغنية علمانية. حين نشر أوتافيانو دي بتروتشي، مخترع طباعة الموسيقى، طبعاته الرائدة في أوائل 1500 (القرن السادس عشر) أصدر ثلاثة أضعاف أعمال جوسكان أكثر من أي مؤلف آخر.


على عكس دوفاي، أساليب جوسكان تنفصل بقوة عبر الخط الديني/الدنيوي. بوليفونيته الدينية تملك صوت العالم الآخر الذي يمثل تقليد هولندا؛ فهو يتكون أساسا من أربعة أجزاء، كلها مشابهة في الصوت ومتساوية في الاهتمام الميلودي. فوق كل شيء جوسكان من أسس مبدأ المحاكاة المستمرة؛ الأصوات تستجمع بانتظام الدوافع اللحنية من بعضها البعض. كان معجبا بشكل خاص بالاتباع؛ في كل موسيقاه، يوجد اتباع مستمر في مكان ما أكثر من غيره. كما واصل تقليديين آخرين هما: الاقتباس من الأغاني الشعبية والألحان الأخرى مثل الكانتوس فيرموس لأعماله الدينية، واستخدام الأدوات الرمزية. على سبيل المثال، في قداسه "هرقل في فيرارا" المهدي إلى الدوق هرقل، دوق فيرارا، استخدم كلحن ثابت لحن اعتمد على الحروف المتحركة من اسم الدوق، التي ارتبطت بالأسماء القديمة للألحان المترجمة إلى ث ت ث ت ح ج ث. نسمع هذا اللحن يتحرك في نغمات أبطأ (مثلما يفعل اللحن عادة) في بداية القداس المكونة من الصوتين.

 

 من ضمن قداسات جوسكان، الأشهر اثنتان استخدما لحن "الفارس المدرع"، بعض من الأعمال الكثيرة اعتمد على هذا اللحن الدنيوي ولحن غنائي مثل اللحن الثابت. لم يكن جوسكان عاديا في كتابة المزيد من أعمال الموتيت أكثر من القداسات، ربما بسبب أن الأعمال الدينية أقصر منحته مساحة أكبر للتجربة. وللتعرف على أعمال الموتيت يمكن الاستماع إلى عمل "التسلسل الذهبي" بتناول المحلق للضوء الروحاني وموتيت "أبسالوم ابني" بخاتمتها التي تبدو وكأنها تهبط للقبر.

موسيقاه الدنيوية الأخرى أمر آخر فهي دنيوية ولا تقاوم النصوص تتراوح من الأغاني الغرامية الرقيقة إلى التفاهة إلى الكلمات الفاحشة. كانت أغانيه أكثر تنغيما من موسيقاه الدينية، مع المزيد من التأكيد على الخط العلوي. ومع ذلك يضفي عليهم كل عبقرية الفن الكونترابنطي، غالبا على  لحن متراقص له ظل اتباع يليه. ثمة حس إيقاعي حيوي ايضا، تقريبا موسيقى الجاز في إيقاعاتها الراقصة. (التوزيع في عصر النهضة كان مؤقتا في الغالب، وكانت الكثير من الأجزاء مصممة لعزفها فقط أو غنائها، والآلات غالبا ما ضاعفات الأصوات في كل من الموسيقى الدينية والدنيوية).

 

"سكاريميلا" مثال رئيسي على أغانيه الدنيوية هنا الكلمات حجة للموسيقى ببساطة "سكارموني" يذهب للحرب/معه الحرية والدرع، ثم الكثير من رم تم تم. في "فتاة من الباسك"، يلتقي المغني مع فتاة من الباسك تكرر عبارة غير مفهومة في لغتها، لكنها ساحرة رغم ذلك، "تأخرنا في هذا الصباح أنا وفتاتي وحين ودعتها قلت "أنا نادم على تركك وترك وجهك الجميل" من ضمن أكثر الأغاني الساحرة أغنية "فرقع لوز" حيث تحاكي أصواته.

 

في  حين كانت أغنياته الدنيوية معدية، موسيقى جوسكان دو بري الدينية ربما من ذوق مكتسب للمستمعين الجدد المعتادين على تناقض أكبر من الألوان. مع ذلك بالنسسبة للمستمع الصور والصوت الهادئي للموسيقى الكنسية وموسيقى المؤلفين اللاحقين مثل لاسو وبالسترينا - يمكن أن يكشف عن الثراء الأعلى  لرفعته. يعد تقليد الكنيسة الهولندية الذي لخصه جوسكان واحدًا من أنقى وأكثر روحانية من الموسيقى الدينية  - إذا صعدت للسماء في الجنة وبدا الكورس هكذا، سيبدو مناسبًا بحق.




 

Monday, June 6, 2022

عصر النهضة

 عصر النهضة (1430-1600)


تعيش الموسيقى في العالم وسط روح العصر. عصر النهضة – حيث ازدهار التعليم والعلوم والفنون التي حولت أوروبا عقب منتصف القرن الخامس عشر، كانت أول دليل على الروح الحديثة وعلى الموسيقى والفن اللذين يبدوان مألوفين لنا اليوم. ومع ذلك في الموسيقى مثلما في كل شيء آخر، الفترات التاريخية لا تتواجد كحدود حادة في التدفق الفوضوي للأحداث. بين ماشو، الذي جسد عالم القرون الوسطى وشخصية جوسكان دو بري في عصر النهضة، جاءت مرحلة انتقالية تضمنت مؤلفي مدرسة بورجاندي الذين عملوا لصالح دوقات بورجاندي المحبين للفن في وحول بروكسل في القرن الخامس عشر.

جويام دوفاي

المؤلف البورجاندي الرائد كان جويام دوفاي. ولد نحو 1400 في منطقة كامبري. كان مشواره الفني كمؤلف موسيقي وخبير في القانون الكنسي أخذه إلى مناصب في الكنيسة والبلاط في كل أنحاء أوروبا، بما في ذلك العديد من السنوات في الإبرشية البابوية في روما. كتب دوفاي قدرا كبيرا من الموسيقى الدينية – أساسا القداسات والأعمال الدينية الأقصر المعروفة باسم "الموتيت" – والموسيقى الدنيوية، أساسا الأغاني الفرنسية البوليفونية. وما يميز موسيقى دوفاي ومعاصريه من بورجاندي، على النقيض من أسلفاهم عذوبة الصوت: فموسيقى دوفاي تبدو عالقة في الهواء مثل النسيج المدوي. أسلوبه كما هو سواء ديني أو دنيوي: أبسط من أسلوب الماضي عادة من ثلاثة أصوات بدلا من أربعة، مع التأكيد على الخط الغنائي العلوي الذي يكون له شكل أدق من الخطوط الهائمة لماشو. الهارموني في موسيقى دوفاي يحمل طابعًا قديمًا بالنسبة للمستمعين في العصر الحديث، فهو يستخدم السلالم الكنسية القديمة مع المقامية المتهمة، لكن الصوت الذي تصدره موسيقاه تبدو أكثر امتلاءً وثراء من موسيقى العصور الوسطى. مدرسة بورجاندي في أوائل القرن الخامس عشر والمدرسة الفلمنكية لاحقًا في القرن – يعرفان معًا باسم المدرسة الهولندية – أيضًا رسخت الأسلوب الصوتي الديني الذي ساد خلال عصر النهضة: البوليفونية المزدهرة في الغالب من أربعة أصوات متساوية.

مثال على موسيقى دوفاي الدينية في أجمل صورها القداس المعروف باسم "الرجل المسلح" ينبع العنوان من تقنية الوقت الذي تمت فيه كتابة القداس بالكامل حو لحن مقتبس يطلق عليه اسم "اللحن الثابت"، لكنه مدفون في النسيج البوليفوني. لم تكن هذه الفكرة جديدة؛ لكن حين استخدمت من قبل مؤلفو العصور الوسطى عادة الترتيل الجريجوري الأغاني الثابتة، مؤلفي المدرسة الهولندية في عصر دوفاي وبعده أحبوا استخدام الألحان المعروفة. بالإضافة إلى وظيفتها في توحيد المقطوعة كلها، الأغنية الشائعة وسط عمل ديني كانت نكتة للمهتمين، ممتعة بشكل خاص حين كانت الدعابة سريعة نوعا ما – أي إهداء موتيت للعذراء مع غنية من لحن غرامي مثل "سيدتي" في نهاية الأمر اعترضت الكنيسة على هذا النمط لكن ليس حين الإصلاح ا لمضاد في القرن ال16 رغم أننا لا نعمل الكثير عن الأغنية "الرجل المسلح" التي تخبرنا بأن "نحاف"، يبدو أنها واحدة من الأغنيات الناجحة في هذا العصر،ن توجد قداسات كثيرة على لحن "الرجل المسلح" كتبها مؤلفون من دوفاي إلى بالسترينا.


بالإضافة إلى موسيقاه الدينية، أغاني دوفاي الدنيوية تم تسجيلها في العقود الحديثة غالبا بالإضافة لموسيقى زميله جيل بنشوا. في هذه الموسيقى يستمع الشخص إلى انعكاس لصفة الشباب، الذي تم الاحتفاء بها في حياة القصور في عصره، وهي مزيج من البهجة والصراحة والمغازلة الأنيقة والحكمة. بعض التسجيلات قام بها المتخصصون الذين في الموسيقى المبكرة الذين يعتبر غنائهم متطورًا مثل المنحة الدراسية ضمن أجمل موسيقى في عصرنا.


بالتأكيد روح القرن الخامس عشر كانت دنيوية أكثر من العصور السابقة. مناخ الفنانين في عصر دوفاي ملحوظا في حفل أسطوري حضره هو وجيل بنشوا في فبراير 1454. الراعي وهو دوق بورجاندي فيليب الطيب، ابتكر "حفل الفلاحين" لحشد الحماس للحملة العسكرية لاستعادة القسطنطينية من الأتراك. ملحوظ في يوم ما من وسائل الترفيه الغريبة كانت مجموعة تضم 28 موسيقي يعزفون الآلات المختلفة؛ عازفين ترومبيت يعزفون على حصان يسير بالعكس، فتاة تغني أغنية بنشوا وهي تمشي على الحبل؛ فيل تركبه امرأة تلبس ثيابًا بيضاء، ترمز للكنيسة، فتاة عارية ملتفة حول عمود ويحرسها أسد، يرمز لشيء أو آخر وأخيرا عرض كبير لموتيت كتبه دوفاي احتفالًا بالمناسبة.


مع ذلك بالنسبة لكل المبالغة الدنيوية التي ميزت ذلك العصر، يوجد نقاء به سكينة في كل الموسيقى الدينية. في عام 1436 كتب دوفاي موتيت للاحتفال بدومو في فلورنسا. بالنسبة لهذا العمل، الذي يقابل تركيبه بعدة طرق نسب القبة الهائلة لبروديلسي كتب شاهد رواية تصف الموسيقى الدينية الهولندية التي ميزت القرنين 15 و16.


"عند ارتفاع الجانب الأكثر دينا امتلأت مساحة المعبد بكوراس هارموني، وهذه الفرقة من الآلات المتنوعة التي بدت كما كانت السيمفونيات وأغاني الملائكة وجنة الرب أرسلت مباشرة من السماء لتهمس في آذاننا بعذوبة سماوية لا تصدق. وفي هذه اللوحة شعرت بالنشوة حيث بدا أنني أتمتع بحياة الجنة هنا على الأرض”.


كانت أواخر عصر النهضة قمة التطورات الفكرية والعلمية الفنية التي بدأت في الظهور بعد عام 1450، كلها تسهم في روح الاكتشاف الزائدة التي صارت أكثر من جمع لأجزائها. ضمن التطورات كان اختراع الطباعة، التي نشرت المعرفة بمعدل غير مسبوق؛ اختراع البارود، الذي مثل نهاية عصر الفرسان المدرعين والمدن المسورة ومعها العصر الإقطاعي وإعادة اكتشاف الواقعية في الفنون البصرية وتطور البوصلة، التي جعلت من الممكن القيام برحلات استكشافية جديدة. الأهم إعادة اكتشاف الكتاب وفلاسفة اليونان والرومان القديمة – أرسطو وأفلاطون وهومر وفرجيل – أشعلت إعادة إحياء التعلم والفضول والتحري.


بالطبع كلمة نهضة تعني "إعادة الإحياء" وما أعيد مولده في ذلك العصر هو الحركة الهيومانية: الشعور أنه ليست الحياة الآخرة لكن الحياة الدنيا هنا والآن هي محل اهتمام البشر وأنه خلال المنطق والتحري يمكننا اكتشاف أمور كانت معروفة سابقا فقط للآلهة. وصف الشكل الفعلي للكون، أزال كوبرنيكس الأرض من منتصف الكون وجعل البشرية تبحر في الفضاء الفسيح. الفهم الجديد للكلاسيكية وعلم المنظور في الرسم جعل من الممكن وضع شخصيات مقنعة في وهم الفضاء المقنع. في عمله الذي نشر في عام 1477 “كتاب حول فن الكونترابنط"، أعلن يوهانس تنكتوريس أن فقط موسيقى الأربعين سنة السابقة تستحق الاستماع إليها. المؤرخ والرسام حيورجيو فيساري شعر بنفس الشيء تجاه الفنون البصرية مايكل أنجلو، المفضل لدى فيساري تصور الجسم الإنساني كتجسيد ملموس للروح الإلهية.

 

ليوناردو دافنشي طبق الفضول الذي لا يمكن إشباعه ع لى كل جانب من الرسم و العقل و الجسم و الطبيعة والميكانيكا. مارتن لوثر حطم الاحتكار الروحاني للكنيسة الكاثوليكية وبدأ الإصلاح البروتستانتي بهدف المسئولية الفردية تجاه الله. شكسبير فحص مشاعر البشرية بحكمة خالدة لا ترتبط بزمن أو عصر معين وكتب شعر لا يضاهى. في كل مكان يوجد شعور مبهج باكتشاف الأعاجيب و الروائع التي لا يمكن تصورها ستحدث في المستقبل.


من الهيومانية في عصر النهضة تدفق العالم ا لحديث والوعي الحديث: العلم والتعلم و الفلسفة و الطب والكالديسكوب المعاد إحيائه. ومرآة الفنون من المجتمع المتوقف نسبيا والمجتمع الذي تسوده الكنيسة للعصور الوسطى ظهرة حضارة باحثة ديناميكية دنيوية علمانية سادت في الغرب حتى يومنا هذا، حضارة مليئة بالأعاجيب الجديدة حقا والفظاع الجديدة والقديمة المختلطة دون إمكانية فصلها. الموسيقى في عصر النهضة المتأخر شهدت العصر الذهبي للبوليفونية. في أوج هذا الفن ومدرسة هولندا برز المؤلف الفنلدني جوسكان دو بري، الذي أطلق عليه لقب أمير الموسيقى.