Monday, August 22, 2022

أيسلر

 

هانز أيسلر


لفترة طويلة ظل هانز أيسلر مقتصرًا على الموسيقيين الشعبيين، أساسًا بسبب سياسته – فكان شيوعيًا متزمتًا لمعظم حياته وأحد الموسيقيين القلائل الذين عملوا بفاعلية في ألمانيا الشرقية السابقة (حيث كتب لها النشيد الوطني). مع ذلك، لم يكن أيسلر مجرد اشتراكي واقعي، فكان تلميذًا لشونبرج في أوائل العشرينات ولاحقًا شعر بالحاجة للانفصال عن معلمه الذي لم تتفق مثله العليا مع رغبة أيسلر في كتابة موسيقى جادة تكون جزءً من الحياة اليومية للناس العاديين – وهو موقف مشترك بينه وبين هندميث.


هذه المهمة في خلق فن سياسي قادته من فيينا إلى برلين حيث التقى بالمغني والممثل إرنست بوش الذي كتب له الكثير من الأغاني الناجحة. كانت في الغالب تأخذ قالبًا للشعر اللاذع (الذي كتب الكثير منه كيرت تاشولسكي) الملحن بموسيقى تسعى دائمًا لتوضيح وللتأكيد على معنى النص. كانت المصاحبة إما مع البيانو أو نوع من الفرقة التي قدمت موسيقى خفيفة على غرار موسيقى الجاز الذي أصبح محبوبًا بشكلٍ متزايد. وفي عام 1930، بدأ أيسلر تعاونًا دام لوقتٍ طويل وصداقة مع الشاعر والكاتب المسرحي الماركسي بيرتولت بريخت، حيث كتب الموسيقى لمسرحيته "الأم" لفيلمه "لمن ينتمي العالم". وحين وصل النازيون للحكم في عام 1933، تم حظر موسيقى أيسلر وذهب للمنفى الإجباري، حيث قضى وقته في الدانمارك وأسبانيا والمكسيك قبل أن يستقر في نهاية الأمر في هوليود. هناك جدد شراكته مع بريخت حيث ألف موسيقى مسرحياته "جاليليو" و"الشناقون يموتون أيضًا" (عن اغتيال هنريش" ووقع كلاهما ضحية للسيناتور مكارثي الذي بحث عن الشيوعيين ومثلوا أمام لجنة الأنشطة المعادية لأمريكا. ورغم تدخل مجموعة من المثقفين، بمن فيهم أينشتاين وتوماس ما، تم ترحيل أيسلر إلى ألمانيا الشرقية في عام 1950 وظل هناك لباقي حياته، حيث باشر العمل مع بريخت في إنتاج أعمال للمسرح في فرقة برلين الشهيرة

Saturday, August 13, 2022

دوتيو

 

هنري دوتيو


يعد دوتيو واحدًا من الشخصيات الرئيسية في الموسيقى الفرنسية الحديثة، لكن نقده لذاته كان يعني أن شهرته تعتمد على قدرٍ قليل من الأعمال. مثل معاصره الأكبر سنًا أولفييه ميسيان، لم يمانع في كتابة موسيقى غنية بالأصوات والإيقاعات الحسية والمضيئة. لكن على عكس مسيان تعكس أعمال دوتيو اهتمامًا بالقوالب التقليدية، التي سعى في تجديدها في ضوء انبهاره بتأثيرات الزمن والذاكرة.


ولد دوتيو في أسرة فنية في أنجرز في فرنسا، وحين كان صبيًا، استقرت الأسرة في دواي وبعد أن نصح جد هنري – الذي كان مؤلفًا موسيقيًا تعلم الموسيقى على يد سان صانز وكان صديقًا طوال الحياة لجابرييل فوريه – أن يدرس في مدرسة الموسيقى المحلية. استمر تدريبه على الموسيقى في كونسرفتوار باريس حيث فاز بجائزة روما عام 1938 عن عمله "كانتاتا خادم الملك". وفي الظروف الطبيعية كانت الجائزة تتطلب مدة إقامة أربع سنوات في روما لكن دوتيو كان هناك فقط لمدة أربع سنوات بسبب ضغط الظروف التي أدت إلى نشوب الحرب العالمية الثانية. عمل دوتيو في الجيش وبعد تسريحه عمل لفترة قصيرة كقائد الكورس في أوبرا باريس، قبل أن ينضم لموظفي راديو فرنسا عام 1943. ومن عام 1945 عمل مديرًا للإنتاج الموسيقي هناك، واستقال عام1963 ليركز على التأليف الموسيقي.


الآن يعتبر دوتيو أعماله في الشباب على أنها مشتقة من أعمال فوريه وديبوسي ورافيل لدرجة أنها لا تستحق الاحتفاظ بها من وجهة نظره ورفض تقريبًا كل الأعمال التي كتبها قبل عمله "سوناتا البيانو" في عام 1947. كما يعتبر كل أعماله قبل ذلك الوقت مقيدة أكثر من اللازم بالنمط الشائع للموسيقى الفرنسية الترفيهية التي تتميز بالسحر والأناقة والذكاء. ووجد صوته في عمل "سوناتا البيانو" الذي كتبه لزوجته عازفة البيانو جنفييف جوي. أغلبية أعمال دوتيو في مرحلة النضج الفني تتميز بتقنية تطوير التنوع والتي يجب أن يطلق عليها "التطور التقدمي" وإلى حدٍ ما اشتقاقًا من قراءته لروايات مارسيل بروست، كان هذا يتعلق بالتطور التدريجي للخلايا الصغيرة اللحنية أو الإيقاعية إلى ألحان يعاد ظهورها داخل العمل تعارضًا مع ذكر اللحن المكوّن بالكامل في افتتاحية كل حركة. كان هذه سمة هامة في موسيقاه منذ الحركات الثالثة والرابعة المرتبطة لحنيًا من سيمفونية رقم 1 (1950-1951).

Wednesday, August 10, 2022

أدامز

 

جون أدامز

جون أدامز وستر مؤلف موسيقي وقائد أوركسترا معروف بشكل خاص بسبب أعماله للأوبرا حول موضوعات معاصرة، يعد واحدا من أكثر المؤلفين الذين تعرض أعمالهم أثناء حياتهم

 

1- حياته

درس الكلارنيت على يد والده ومع فيلكس فيسجوليا عازف الكلارنيت مع أوركسترا بوسطن السيمفوني. في سن العاشرة بدأ تلقي دروس النظريات والتأليف وفي سن 14 عرضت أول مقطوعة  له من قبل أوركسترا أمريكيا التي مارس معها قيادة الأوركسترا كما عزف مع الأوركسترا إلى جانب والده، كان دائما يظهر أمام جمهور من المرضى المعاقين ذهنيا في مستشفي نيو هامبشاير كدارس في جامعة هارفارد (65-71- ماجستير 72) درس التأليف الموسيقى مع ليون كيشنر وإيرل كيم وروجر سيشنز وهارولد شابيرو وديفيد ديل تريدتشي. خلال هذه الفترة عزف أ؛يانا على آلة الكلارنيت مع أوركسترا بوسطن  السيمفوني.

 

بعد الانتقال لسان فرانسيسكو عام 1971، عمل أدامز بالتدريس في كونسرفتوار سان فرانسيسكو (1972-1982). وسرعان ما أصبح جزءً من ساحة الموسيقى الجديدة التي كانت تعمل بمثابرة في منطقة باي وبدأ يتواصل مع المؤلفين المحليين والموسيقيين. كمايسترو في فرقة الموسيقى الجديدة في الكونسرفتوار، تم تكليفه وأدخل أعمال جديدة من مؤلفين تجريبيين مهمين. في عام 1978 أصبح مستشار الموسيقى الجديدة لأوركسترا سان فرانسيسكو السيمفوني. مع المدير الموسيقي إدو دو وارت، ابتكر سلسلة من الموسيقى الجديدة وغير المعتادة للأوركسترا، حيث عرف جماهير سان فرانسيسكو بمؤلفين طلعيين أمريكان وأوروبيين. تعاونه مع الأوركسترا عمل كنموذج لبرنامج الإقامة "قابل المؤلف"، خلاه تعين كمؤلف مقيم في الأوركسترا (1982-1985). كتب عمليه "هارمونيام" و"فن الهارموني" للأوركسترا، مما رسخ سمعته على النطاق القومي.

 

في عام 1983 المدير بيتر سالرز كلف أدامز بكتابة أوبرا عن الموضوع غير المعقول لزيارة ريتشارد نيكسون للصين التي استغرقت ستة أيام لمقابلة ماو زيدونج في عام 1972. مع العرض الأول من أوبرا هيوستون في أكتوبر عام 1987، تم عرض "نيسكون في الصين" أكثر من 70 مرة في السنوات القليلة التالية. وأذيعت الأوبرا على التليفزيون وحصلت على جائزتي إيمي وجرامي. كان تسجيل شركة "نانساتش" يعتبر "واحدًا من أهم عشرة تسجيلات في العقد" كما ذكر في مجلة تايم.

 

بين 1989 و1991 كتب أدامز وأليس جودمان أوبرا ثانية عن حدث معاصر، اختطاف السفينة الإيطالية أشيل لورو عام 1985 على يد مجموعة فلسطينية إرهابية. "وفاة كلينج أوفر" حصلت على أول عرض لها في مارس 1991 خلال حرب الخليج. تم عرض الإنتاج الأصلي، من إخراج سيلارز وتصميم الرقصات لشركة مرك موريس، في ليونز وفيينا وبروكلين وسان فرانسيسكو. وظلت الحساسية السياسية للموضوع مع ذلك محل نزاع وسوء تفاهم خلال العروض. ورغم أن الأوبرا متوزانة بشكل حذر، مع اللغة الفصيحة و البذيئة بالتساوي بين الأسرى اليهود والفلسطينيين والمسيحيين، تم حظر العروض في سان فرانسيسكو ولم يعرض العمل في الولايات المتحدة بعد عام 1992.

 

العمل المسرحي الثالث لآدامز: "كنت أنظر للسقف ثم شاهدت السماء"، زلزال/عمل رومانسي، عرضه أيضا سيلارز وكان العرض الافتتاحي في مايو 1995 في بيركلي في كاليفورنيا. وأكمل العرض الأصلي جولة استمرت لخمسة أشهر إلى مونت ريال ونيويورك وإدنبره وهلسينكي وباريس وهامبورج.

وكمايسترو، كان جدول حفلات آدامز حافلا. في عام 1988 نال منصب رئيس أوركسترا سانت بول لموسيقى الحجرة، حيث عمل فيه كمايسترو ومستشار موسيقي حتى عام 1990. عمل كمدير فني ومايسترو لحفلات أوجاي وكابريلو الموسيقية في كاليفورنيا، وظهر مع أوركسترا لندن السيمفوني وأوركسترا لندن سينفونيتا وأوركسترا هاله وأوركسترا أوسلو الفيلهارموني وأوركسترا الملكي وأوركسترا سانتا سيسليا وأوركسترا برلين السيمفوني. وغالبا وضع برامج الحفلات لتقدم أعماله بالإضافة لأعمال المؤلفين الآخرين وكانت الأعمال متنوعة فاشتملت على أعمال لزابا وسيبليوس وسترافنسكي وآيفز وكوبلاند ورايخ وجلاس. في عام 1997، احتفل بعيد ميلاده الخمسين فأقام حفلت في أوركسترا أمستردام حيث قدم موسيقاه وأعماله لفرقة موسيقية كبيرة بمشاركة جيل إفانز ومايلز ديفيز وديوك إلنجتون. وفي نفس العام، قدم إمانويل آكس العرض الأول لعمل "مرور القرن" 1996، مع أوركسترا كليفلاند. في عام 1999 قام آدامز بعمل جولة في أوروبا مع فرقة موديرن حيث قاد عمله "الموسيقى الساذجة والعاطفية" (1997-1998) والسيمفونية الرابعة لآيفز.

 

تضمنت التكريمات العديدة التي تلقاها أدامز جائزة حاكم كاليفورنيا للإنجاز مدى الحياة في الفنون، وجائزة الأوركسترا الملكي الفيلهارموني (1994) لسيمفونيته لموسيقى الحجرة، وجائزة جراوماير (1995) لكونشرتو الكمان ولقب مؤلف العام من ميوزيكال أمريكا (1997). في عام 1995 أصبح "فارس معهد الفنون والآداب" من قبل وزارة الثقافة الفرنسية، وفي عام 1997 وقع عليه الاختيار ليرأس الأكاديمية الأمريكية ومعهد الفنون والآداب.

 

2. أعماله

في سنٍ صغيرة، اتخذ آدامز قرارًا واعيًا بأن يبتعد عن اتجاه الطليعة الأكاديمية الأمريكية وقتها والطليعة الجمالية الأوروبية ما بعد الحرب. حتى قبل أن يجد صوته كمؤلف، دمج جوانب من الثقافة الأمريكية الشعبية في عمله. وأول أعماله الكبرى "البوابات الفريجية" (1977) وعمل Shaker Loops (1978 ونسخته المعدلة 1983)ونسخة عمل "منيمالي" في نبضه الآسر الذي يكشف ببطء عن التعديلات والمستويات المنتشية من الطاقة. مع ذلك من بين المؤلفين الذين تم تصنيفهم على أنهم "منيماليين"، كان آدامز أكثر مؤلف ترسخ في التقليدي الكلاسيكي الغربي. وتجعل المراكز اللحنية والسرعات السلسة والخطط الرسمية المعقدة تجعل النوع الخاص به من "المنيمالية" مميزًا عن الأنواع التي استخدمها مؤلفين أمثال ستيف رايخ أو فيليب جلاس. في حين عمل "البوابات الفريجية" نموذجي، كانت اللغة الهارمونية لأدامز في الثمانينات كانت دياتونية مع مدلولات متكررة من ازدواج النغمات. في أعمال مثل "هارمونيام" (1980-1981) وعمل "كتاب الهارموني" (1984-1985)، صاغ الموتيفات المتكررة مع لغة سيمفونية تعبيرية ثرية في القرن التاسع عشر. كانت الأعمال المتأثرة بالأحلام وتحليل يونج والشعر الصوفي والكتابات التي تتجاوز الطبيعية، رسخت أعمال كتلك شهرته كمؤلف "للأعمال المتاحة" التي وفرت الراحة للجماهير الحذرة تجاه الموسيقى المعاصرة. كانت موسيقاه لحنية وعاطفية، لكن ما زالت معقدة، عكست ظهور أعمال آسرة وتميز فترة ما بعد المنيمالية ظهرت في أواخر الثمانينات والتسعينات.

 

علّق أدامز غالبا على نوع من الازدواجية التي ظهرت في موسيقاه أثناء الثمانينيات. خلال هذه الفترة تأرجح بشكل منتظم مذهل، بين القطبين الأسلوبيين: كتب أعمال مثل ("موسيقى البيانولا العظيمة 1982"، "التناظرات المخيفة 1988")، والأعمال التي تتأمل الداخل (كتاب الهارموني 1984-1985؛ "مضمد الجروح 1988"). وخلف الخداع لمقطوعات "المخادع" احتفاله المميز بالموسيقى الأمريكية العامية، ورقصات فوكس تروت والمارشات وموسيقى الفرق الكبرى في مرحلة شبابه. في هذا الصدد، كان آيفز وكوبلاند سابقين له. ومثلهما، نجح في إزالة الحدود بين الفن "العالي" و"الهابط" خلال الاعتماد بحرية على التقليد الأمريكي العريض والخصب.

 

كانت موهبة أدامز في تلحين الإيقاعات الأساسية للشعر تظهر في عمله "هارمونيام"، لقصائد كتبها جون دون وإيملي ديكنسون، وعمل "مضمد الجروح" كتب الكلمات والت وايتمان. والتناول الموسيقي لشعر وايتمان عن العنف البصري المتعايش مع تجاوز الواقع الروحاني امتد بعد عامين في عمله "موت كلنج أوفر". في أعماله للأوبرا، أثبت أدامز أن حساسيته تجاه اللغة تساوي موهبته لوضع الشخصيات المتميزة والدراما الملحمية. أوركسترا المكون من 34 آلة، تضم آلات الساكسفون وآلة "المركب الموسيقي"، التي كتب لها عمله "نيكسون في الصين" يؤكد على روح الدعابة الجافة والثقافة المريرة لشعر جودمان الزوجي. كان عمل "نيكسون في الصين" مليئًا بتسلسل الخيال وفرص الصور وأصداء الفرق الكبيرة، يوضح الشخصية الأمريكية بسخرية لعوب. مثل الكثير من أعمال أدامز، تعمل بالتزامن مع المستويات البطولية والكوميدية والتراجيدية. "موت كلنج أوفر"، وهو عمل موسيقي ومسرحية عن آلام المسيح لها تصميم رقصات تتحرك بين التأمل العميق والوحشية البصرية، يعكس أثر أعمال الآلام لباخ والأعمال الدينية الأخرى. وتمزج السلالم الموسيقية الهابطة من الناحية الكروماتية مع الأشكال المتكررة والخطوط الغنائية لتخلق شعور بمرور الزمن. عمله "كنت أنظر للسقف ثم رأيت السماء" وهي حكاية تم روايتها في 25 أغنية شعبية تصاحبها فرقة روك من ثمانية آلة، هو كوميديا رومانسية وسخرية اجتماعية عن حياة سبعة شباب أمريكان من أصول عرقية مختلفة، كلها تعيش في لوس أنجلوس لحظة الزلازل المدمر لنورث ريدج. مع عناصر الإنجيل والبالاد الراب والفانك، تلتقط نوتة أدامز لقطات من أنماط الحوار لشاعر بيركلي "جوردان".

 

كانت أعمال أدامز اللاحقة تتعلق أكثر بالبوليفونية، والكروماتية والبراعة مع الاحتفاظ بقوة الدفع الإيقاعية لأعماله  السابقة. في عام 1992، واجه شونبرج وهي مواجهة تجنبها لمدة عقدين في أوركسترا الحجرة. قام بابتكار وخلق العمل حين كان يدرس نوتة عمل شونبرج التي تحمل نفس الاسم أثناء الاستماع لموسيقى فيلم الرسوم المتحركة التي كان ابنه يشاهدها في غرفة أخرى. من تلك اللحظة فصاعدًا تميزت معظم أعماله بطابع "غنائي" و"خطي". في أوائل التسعينات بدأ استخدام الأنماط الهارمونية واللحنية، التي أخذت موسيقاه لعالم تعبيري يختلف كثيرًا عن أعماله "المنيمالية" في الثمانينات. على مدار العقد، استمر استخدامه للأنماط الموسيقية في التطور، خاصة بعد أن اكتشف كتاب سلونمسكي "مترادفات السلالم الموسيقية والأنماط الميلودية" وطور تقنية خاصة به. ورغم أن ليس كل أعماله من التسعينيات نموذجية ("القرن يمر"، على سبيل المثال ليس نموذجيًا)، الكثير منها تخضع على الأقل جزئيًا لهذه التقنية (كونشرتو الكمان، 1993؛ "تروس سلومنسكي" 1996؛ الحركة الأولى من Gnarly Buttons 1996؛ الحركة الأخيرة من عمل "الموسيقى الساذجة والعاطفية" 1997-1998).

 

الكونترابنط الكثيف والسلالم المتعارضة في نفس الوقت والجمل الموسيقية غير المتناظرة ظلت عناصر مميزة في موسيقى أدامز. هذه الأعمال يتم استخدامها المذهل في كونشرتو الكمان. وصف أدامز العمل بأنه (دراسة في "الميلودي المفرط" - الكمان يغني بانتظام في 35 دقيقة الكاملة في المقطوعة" في حين تقدم الأوركسترا الخلفية الصامتة. بين الحركة الأولى الرابسودية الغنائية، الشاكونة الرقيقة والتوكاتا، يجمع الكونشرتو العناصر الأسلوبية التي ظلت حتى الآن منفصلة في كتابة أدامز: التأمل الصوفي والحركة البارعة. "القرن يمر" كونشرتو من نوع مختلف تمامًا، تم إهداؤه لآليات البيانو في عام 1920، بالإضافة لدراسات نانكارو للبيانو الآلي.

 

التركيز في تلك الأعمال الحديثة، المليئة بالإيقاع المتعدد والكتابة البارعة، يجعله مرهق للعازفين. هذا جعل أدامز يكون علاقات وثيقة مع فرق معينة (الفرقة الحديثة، فرقة شونبرج، رباعي كرونوس) والعازفين المنفردين (إيمانويل آكس، مايكل كولنز، جيدون كريمر) الذين تمكنوا من عزف تلك الأعمال الصعبة. اهتمام أدامز بالوسائط الإلكترونية، الظاهرة بالإضافة لآلات التوليف في أعماله الأوبرالية ومقطوعات الفرق التي وصلت لقمتها في عمل Hoodoo Zephyr (1992-1993). 

 

مع الوضع في الاعتبار اختيار أدامز لعناوين مثل (Mongrel Airs, Hail Bop, Dogjam)، لا عجب أن عنوان عمله "الموسيقى الساذجة والعاطفية" يشير ليس فقط لمقال شيلر لكن للحالة المشكوك فيها للموسيقى المعاصرة. يتبع العمل من اكتشافه للميلودي الدياتوني مقابل الكورد المستمر في كونشترو الكمان وعمل Gnarly Buttons. في حين يتم الربط بين الكروماتية والابتكار النموذجي في عمل "الموسيقى الساذجة والعاطفية" لأعمال من التسعينات، الإيماءات الجريئة تذكرنا بأعمال "هارمونيام" و"كتاب الهارموني".

 

دروفليه

موريس دروفليه


رغم إن اسمه غالبًا ما يرتبط باسم جابرييل فوريه، امتلك موريس دلوفليه واحدًا من أكثر الأصوات المتميزة في الموسيقى الفرنسية في القرن العشرين. عمله الأثري "القداس الجنائزي (1947) يردد صدى قداس فوريه وبطرق أخرى أيضا، بدا دروفليه منعزلًا عن الثورات التي حدثت في موسيقى ما بعد الحرب. ورغم أن أولفييه ميسيان كان معاصرًا له في كونسرفتوار باريس، قاوم دروفليه التجارب الموسيقية وانتقل بهدوء إلى المؤسسة الموسيقية الباريسية كعازف أرغن لمدة 45 عامًا في الكنيسة الهادئة سانت إتيان دومونت كما عمل مدرسًا في الكونسرفتوار حيث كان مسئولًا عن كتابة القليل من الأعمال، الكثير منها مستوحى من الصلة بين الترتيل الجريجوري والكاثوليكية الفرنسية. وذات مرة اعترف دروفليه بنفسه أنه "ارتبك" من الاتجاه الذي اتخذته الموسيقى أثناء حياته.


ورغم الموهبة التي أظهرها في الكونسرفتوار (فقد فاز بخمس جوائز هناك في فترة العشرينيات) كان التدريب الذي تلقاه دروفليه كعضو في الكورس في كاتدرائية روين الذي سيطر على خياله. ومثل الكثير من المؤسسات الفرنسية الدينية، كانت كاتدرائية روين تفخر بالتقليد الترتيل البسيط بقوة، التي صاغته في القرن التاسع عشر ورتلته يوميًا. تركت هذه البيئة تأثيرًا قويًا على دروفليه، والمعالم السلسة والألوان النموذجية للترتيل تظهر في معظم أعماله. أحيانا يضع الترتيل البسيط كمصاحبة بسيطة للحن، كما لو كانت في السياق الغنائي، لكن دائما تعمل كإشارة خيالية، حيث حاك دروفليه التراكيب المركبة إيقاعيا من خطوطها العريضة.


مثل معلمه بول دوكا، كان دروفليه ينقد ذاته ونشر عشرة أعمال فحسب، التي كتبها في الغالب لآلة الأرغن والأصوات. وضمن أعماله للأرغن "المقدمة والأداجيو والتنويعات الكورالية على لحن "فيني المبتكر" (1930) أحد روائعه الأولى، لكن بكل معنى أعظم أعماله هو "القداس الجنائزي" الذي يصف بإخلاص التراتيل اللاتينية من "الصلاة على الأموات" التي حولها إلى عمل طموح للجوقة والأوركسترا الكبير والأرغن. رغم أن دروفليه لم يرضَ عن جهوده – لاحقًا كتب أنه خلال "الكشف [الترتيل الجريجوري] في خطوط المازورة في النوتة الحديثة، نجازف بتدمير الشعر وطبيعته غير الناضجة والمراوغة" – القداس الجنائزي مع توازنه المصقول للتأمل الداخلي والعواطف صنع اسمه دوليا.


لكن من الخمسينات، حين اتخذت مهام التدريس الأولوية لدى دروفليه، لاقى صعوبة في التأليف بشكلٍ متزايد، وبعد حدوث ارتطام السيارة بشكل كاد أن يودي بحياته عام 1975 اعتزل الحياة الموسيقية كليًا. عمله الأخير "أبانا" مقطوعة رقيقة للجوقة دون مصاحبة موسيقية، كتبه بمساعدة زوجته (كانت هي نفسها عازفة أرغن موهوبة). كختام لمشوراه الفني كان العمل حلو ومر: نص الموتيت ترجمة عامية لصلاة الرب، كلفه بكتابتها لأن باتباع إرشاد الفاتيكان الجديد، قررت السلطات الكاثوليكية عدم استخدام الصلاة اللاتينية المحبوبة لدروفليه واستخدام الصلاة الفرنسية بدلًا منها.

 

Thursday, August 4, 2022

دلابيكولا


 

لويجي دلابيكولا


موضوع حرية الإنسان وإخضاعه سمة متكررة في كل من حياة لويجي دلابيكولا وموسيقاه. ولد في عام 1904 في بيسنو في إستريا وهي منطقة إيطالية من الناحية العرقية تابعة للإمبراطورية النمساوية المجرية، كان عمر دلابيكولا العاشرة فقط حين تدرب هو وأسرته في جراتز بعد أن بدأت السلطات النمساوية في الشك في أن أبيه لديه تحيزات إيطالية كوميدية - وهي تجربة مبكرة لمصير الأقليات السياسية والعنصرية المقيمة في ظل النظام المتسلط. ومع ذلك رغم إن الإزالة الإجبارية قاطعت تعليم دلابيكولا الشاب موسيقيا، كان في جراتز أن سمع عرض "الهولندي الطائر" لفاجنز مما جعله يقرر أن يصبح مؤلفًا موسيقيًا وفي عام 1923 التحق بكونسرفتوار فلورنسا وهو معهد ظل على صلة به طوال حياته.


في أعمال دلابيكولا الأولى يسيطر عليه عدة تأثيرات خاصة ديبوسي، بالإضافة إلى المؤلفين الإيطاليين الأوائل مثل مونتفيردي وجزويلدو وبعد الاستماع لعرض شونبرج لعمله "بييروت لونير" في فلورنسا عام 1924 – استمع إلى موسيقى المدرسة الفيناوية الثانية. وتلا ذلك عقد من الدراسة. وفي عام 1934 تعين دلابيكولا كأستاذ للبيانو في كونسرفتوار فلورنسا (وهو منصب شغله حتى تقاعده عام 1967)، بينما ظلت أعماله تستوعب الدروس التي تعلمها من بوزوني وشونبرج وبشكل خاص من ألبان بيرج، حيث بدأ يدخل نظام الاثنتي عشرة نغمة في موسيقاه. وأثناء ذلك، ظل الفاشية المتنامي أعاد إحياء اهتمامه بمحنة البشر العاديين الخاضعين للطغيان في عام 1938 حين تبنى موسوليني سياسات هتلر العنصرية (مما هدد حياة زوجة دلابيكولا اليهودية) دفعه إلى كتابة عمل "أغنيات السجن" وهو أول عمل يعني بالسجن والحرية. مثلما علق دلابيكولا في مذكراته "في النظام الشمولي الأفراد بلا قوة. فقط من خلال الموسيقى تمكنت من التعبير عن غضبي".


معارضة دلابيكولا العلنية لموسوليني جعلت مركزه غير ثابت حتى عام 1942 حين أجبر على مغادرة فلورنسا ثم اختبأ في الريف. مع ذلك رغم كل المصاعب الشخصية التي واجهها، السنوات السابقة قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية كانت مختلفة حيث رسخ دلابيكولا النسخة الغنائية من موسيقى الاثنتي عشرة نغمة مع طابعه إيطالي خدمه في باقي مشواره الفني، والذي توسع فيه في سلسلة أعمال غنائية أهمها "الكلمات اليونانية" الذي كبته في الأربعينات. كعارض معروف للفاشية، دلابيكولا خرج من الحرب بسمعته الشخصية مدعمة، في حين العرض الأول عام 1950 لأشهر أعماله أوبرا "السجين" ثبت سمعته الدولية كمؤلف إيطالي رائد في جيله. مع ذلك مع ازدياد شهرته مع الجمهور، أصبح أسلوبه الموسيقي مجرد وذاتي، حيث اعتنق التصريحات العلنية من الجمهور لصالح تخفيف أسلوبه الغنائي، كما ينعكس من ثالث مقطوعة من عمله "السجين"، (أغاني الحرية) لسنة 1955